تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
قال : فمن الظالم منهما ؟ فكره أن يقول العباس ، فيواقع « 1 » سخط الخليفة ، أو يقول عليّ ؛ فينقص أصله ، فقال : ما منهما ظالم ؟ قال : فكيف يتنازع اثنان في شيء لا يكون أحدهما ظالما ؟ قال : قد تنازع الملكان عند داود عليه السلام وما فيهما ظالم ، ولكن لينبّها داود على الخطيئة ، وكذلك هذان أرادا تنبيه أبي بكر من خطيئته ، فأسكت الرجل ، وأمر الخليفة لهشام بصلة عظيمة . دخل إبراهيم النّظّام على أبي الهذيل العلّاف ، وقد أسنّ وبعد عهده بالمناظرة ، وإبراهيم حدّث السنّ . فقال : أخبرني عن قراركم : أن يكون جوهرا مخافة أن يكون جسما ؛ فهل قررتم ألا يكون جوهرا مخافة أن يكون عرضا ، والعرض أضعف من الجوهر ؟ فبصق أبو الهذيل في وجهه . فقال له إبراهيم : قبّحك اللّه من شيخ ، ما أضعف صحتك وأسفه حلمك . قال : لقي جهم رجلا من اليونانيين ؛ فقال له : هل لك أن تكلمني وأكلمك عن معبودك هذا ، أرأيته قط ؟ قال : لا ؛ قال : فلسمته ؟ قال : لا ؛ قال : فذقته ؟ قال : لا ؛ قال : فمن أين عرفته وأنت لم تدركه بحسّ من حواسّك الخمس وإنما عقلك معبّر عنها فلا يدرك إلا ما أوصلت إليه من جميع المعلومات ؟ قال : فتلجلج جهم ساعة ، ثم استدرك فعكس المسألة عليه فقال له : ما تقرّ أن لك روحا ؟ قال : نعم ؛ قال : فهل رأيته أو ذقته أو سمعته أو شممته أو لمسته ؟ قال : لا ؛ قال : فكيف علمت أن لك روحا ؟ فأقرّ له اليوناني .

باب في الحياء

قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : الحياء خير كله . الحياء شعبة من الإيمان . وقال عليه السلام : إن اللّه تبارك وتعالى يحب الحيي الحليم المتعفف ، ويكره البذيء السّائل الملحف « 2 » . وقال عون بن عبد اللّه : الحياء والحلم والصمت من الإيمان .
هامش
( 1 ) يواقع : يتلقّى ويواجه . ( 2 ) الملحف : الكثير الإلحاح .
العقد الفريد — صفحة 252 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي