يا طالب الأشعار والنحو * هذا زمان فاسد الحشو
نهاره أوحش من ليله * ونشوه من أخبث النشو
فدع طلاب النحو لا تبغه * ولا تقل شعرا ولا ترو
فما يجوز اليوم إلّا امرؤ * مستحكم العزف أو الشّدو
أو طرمذان قوله كاذب * لا يفعل الخير ولا ينوي « 1 »
ومن قولنا في هذا المعنى :
رجاء دون أقربه السّحاب * ووعد مثل ما لمع السّراب
ودهر سادت العبدان فيه * وعاثت في جوانبه الذّئاب
وأيام خلت من كلّ خير * ودنيا قد توزّعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا * لقالوا : عندنا انقطع التّراب
تعاقب من أساء القول فيهم * وإن يحسن فليس له ثواب
للجاحظ في ذم الزمان :
كتب عمرو بن بحر الجاحظ إلى بعض إخوانه في ذم الزمان :
بسم اللّه الرحمن الرحيم . حفظك اللّه حفظ من وفّقه للقناعة ، واستعمله بالطاعة كتبت إليك وحالي حال من كثفت غمومه ، وأشكلت عليه أموره ، واشتبه عليه حال دهره ، ومخرج أمره ، وقلّ عنده من يثق بوفائه ، أو يحمد مغبّة إخائه ، لاستحالة زماننا ، وفساد أيامنا ، ودولة أنذالنا ، وقدما كان من قدّم الحياء على نفسه ، وحكّم الصدق في قوله ، وآثر الحقّ في أموره ، ونبذ المشتبهات عليه من شؤونه . تمت له السلامة ، وفاز بوفور حظّ العافية ، وحمد مغبّة مكروه العاقبة ، فنظرنا إذ حال عندنا حكمه ، وتحولت دولته . فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان ، والصدق آفة على المال ، والقصد في الطلب بترك استعمال القحة « 2 » وإخلاق العرض من طريق التوكل دليلا
هامش
( 1 ) الطّرمذان : المدّعي والمتمدّح بما ليس عنده ، والصلف المفاخر النّفاخ .
( 2 ) القحة : الوقاحة .