وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا * يخلّط في قول صحيح وفي هزل « 1 »
فإنّي رأيت المرء يشقى بعقله * كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
فبقيت أبقاك اللّه مثل من أصبح على أوفاز « 2 » ، ومن النّقلة على جهاز ، لا تسوغ له نهمة ولا يطعم عينيه غمضة ، في أهاويل يباكره مكروهها وتراوحه عقابيلها « 3 » فلو أن الدعاء أجيب والتضرّع سمع ، لكانت الهدّة العظمى ، والرجفة الكبرى ؛ فليت الذي يا أخي ما أستبطئه من النفخة ، ومن فجأة الصيحة ، قضي فحان ، وأذن به فكان ؛ فو اللّه ما عذّبت أمة برجفة ولا ريح ولا سخطة ، عذاب عيني برؤية المغايظة المضنية ، والأخبار المهلكة ، كأن الزمان توكل بعذابي ، أو انتصب لإيلامي ؛ فما عيش من لا يسرّ بأخ شقيق ، ولا خدن شفيق ، ولا يصطبح في أول نهاره إلا برؤية من تكره رؤيته ، ونغمة من تغمّه طلعته فبدّل اللّه لي - أي أخي - بالمسكن مسكنا ، وبالربع ربعا ! فقد طالت الغمة ، وواطنت الكربة ، وادلهمّت الظّلمة ، وخمد السراج ، وتباطأ الانفراج ، السلام .
فساد الإخوان
قال أبو الدرداء : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فصاروا شوكا لا ورق فيه .
وقيل لعروة بن الزّبير : ألا تنتقل إلى المدينة ؟ قال : ما بقي بالمدينة إلا حاسد على نعمة ، أو شامت بمصيبة .
الخشني « 4 » ، قال : أنشدني الرياشي :
إذا ذهب التّكرّم والوفاء * وباد رجاله وبقي الغثاء « 5 »
وأسلمني الزّمان إلى رجال * كأمثال الذّئاب لها عواء
هامش
( 1 ) خلّط : كذّب وأدخل الحق بالخطإ .
( 2 ) أوفاز : عجلة .
( 3 ) العقابيل : الشدائد .
( 4 ) الخشني : هو محمد بن عبد السلام .
( 5 ) الغثاء : رغوة القدر ، أو ما يجرفه السيل من أوراق أو ممّا على وجه الأرض .