ومرّ أعرابيّ برجل صلبه السلطان ، فقال : من طلّق الدنيا فالآخرة صاحبته ، ومن فارق الحقّ فالجذع راحلته « 1 » .
النعمان وعدي بن زيد :
ومن النطق بالدلالة ما حدّث به العباس بن الفرج الرّياشي قال : نزل النعمان بن المنذر ومعه عديّ بن زيد العباديّ في ظل شجرة مورقة ليلهو النعمان هناك ، فقال له عدي : أبيت اللعن ، أتدري ما تقول هذه الشجرة ؟ قال : ما تقول : قال : تقول :
ربّ شرب قد أناخوا حولنا * يمزجون الخمر بالماء الزّلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم * وكذاك الدهر حال بعد حال
فتنغّص على النعمان ما هو فيه .
وقال ابن الأعرابي : قلت للفضل : ما الإيجاز عندك ؟ قال : حذف الفضول ، وتقريب البعيد .
وقال رجل لخالد بن صفوان : إنك لتكثر . قال : أكثر لضربين : أحدهما فيما لا تغني فيه القلة ، والآخر لتمرّس اللسان ، فإن حبسه يورث العقلة « 2 » .
وكان خالد بن صفوان يقول : لا تكون بليغا حتى تكلّم أمتك السوداء في الليلة الظلماء في الحاجة المهمّة بما تكلم به في نادي قومك .
وإنما اللسان عضو إذا مرّنته مرن ، وإذا تركته لكن « 3 » كاليد التي تخشنها بالممارسة ، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبهه ، والرّجل إذا عوّدت المشي مشت .
بين نوفل وامرأته :
وكان نوفل بن مساحق إذا دخل على امرأته صمت ، فإذا خرج عنها تكلم . فقالت له : إذا كنت عندي سكتّ ، وإذا كنت عند الناس تنطق ! قال : إني أجلّ عن دقيقك وتدقّين عن جليلي .
هامش
( 1 ) الجذع : كناية عن الصّلب والراحلة : ما يركب عليها للانتقال .
( 2 ) العقلة : الربط والعيّ .
( 3 ) لكن : ثقل وعيّ .