خالد بهم : يا بني حنيفة ، بعدا لكم كما بعدت عاد وثمود . « 1 » أما واللّه لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه ، كأنّي أسمع جرسه وأبصر غيبه ، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة . وإنّي لمّا رأيتكم تتهمون النّصيح وتسفّهون الحليم ، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء . واللّه ما منعكم اللّه التوبة ولا أخذكم على غرّة ، « 2 » ولقد أمهلكم حتى ملّ الواعظ ووهن الموعوظ ، وكنتم كأنما يعنى بما أنتم فيه غيركم ، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق ، ومن نصيحتي الندامة ؛ وأصبح في يدي من هلاككم البكاء ، ومن ذلّكم الجزع . وأصبح ما فات غير مردود ، وما بقي غير مأمون .
وقال القطاميّ في هذا المعنى :
ومعصية الشّفيق عليك ممّا * يزيدك مرّة منه استماعا
وخير الأمر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبّعه اتّباعا
كذاك وما رأيت الناس إلا * إلى ما جرّ غاويهم سراعا
تراهم يغمزون من استركّوا * ويجتنبون من صدق المصاعا « 3 »
وكان يقال : لا تستشر معلما ولا حائكا ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء .
وأنشد في المعلمين :
وكيف يرجّى العقل والرأي عند من * يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل
وكان يقال : لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها .
وكان يقال : لا رأي لحاقن ولا حازق : وهو الذي ضغطه الخف . ولا الحاقب وهو الذي يجد رزّا في بطنه .
وينشد في الرأي بعد فوته :
وعاجز الرأي مضياع لفرصته * حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
هامش
( 1 ) بعدا لكم : أي الهلاك لكم .
( 2 ) الغرّة : الغفلة .
( 3 ) المصاع : المقاتلة والمجالدة بالسيف .