مصر ، وقال له حين ودّعه : أرسل حكيما ولا توصه . أي بنيّ ، انظر إلى عمّالك ، فإن كان لهم عندك حقّ غدوة فلا تؤخرهم إلى عشية ، وإن كان لهم عشية فلا تؤخرهم إلى غدوة ، وأعطهم حقوقهم عند محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم . وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب ، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدّقوك في الحق . واستشر جلساءك وأهل العلم ؛ فإن لم يستبن لك فاكتب إليّ يأتك رأيي فيه إن شاء اللّه تعالى .
وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب « 1 » ، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة ، فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة « 2 » . ثم انظر إلى ذوي الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك وجلساءك ؛ ثم ارفع منازلهم منك على غيرهم ، على غير استرسال ولا انقباض ، أقول هذا وأستخلف اللّه عليك .
من معاوية إلى زياد في رجل فر إليه
: قال أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد اللّه بن مجالد عن الشعبي ، قال : قال زياد : ما غلبني أمير المؤمنين معاوية في شيء من السياسة إلا مرة واحدة ، استعملت رجلا فكسر خراجه ، فخشي أن أعاقبه ففرّ إليه واستجار به فأمنه ؛ فكتبت إليه : إن هذا أدب سوء من قبلي . فكتب إليّ : إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة ، لا نلن جميعا فتمرح الناس في المعصية ، ولا نستبد جميعا فنحمل الناس على المهالك . ولكن تكون أنت للشدة والغلظة وأكون أنا للرأفة والرحمة .
ما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم
قالت الحكماء : أحزم الملوك من قهر جدّه هزله : وغلب رأيه هواه ، وجعل له الفكر صاحبا يحسّن له العواقب ، وأعرب عن ضميره فعله ، ولم يخدعه رضاه عن سخطه ولا غضبه عن كيده .
هامش
( 1 ) سورة الغضب : حدّته وشدّته .
( 2 ) الأناة : الصبر والرويّة .