تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فأشار إلى واحدة منها فرماها فأقصدها ، ثم اشتويا وأكلا ، فلما انقضى طعامهما فوّق له الأعرابي سهما ثم قال له : أين تريد أن أصيبك ؟ فقال له : اتق اللّه واحفظ زمام الصحبة . قال : لا بدّ منه ! قال له : اتق اللّه ربك واستبقني ، ودونك البغل والخرج فإنه مترع مالا . قال : فاخلع ثيابك . فانسلخ من ثيابه ثوبا ثوبا حتى بقي مجرّدا . قال له : اخلع أمواقك « 1 » . وكان لابسا خفّين طائفيّين ، فقال له : اتق اللّه فيّ ودع لي الخفين أتبلّغ بهما من الحرّ ، فإن الرّمضاء تحرق قدميّ . قال : لا بدّ منه . قال فدونك الخف فاخلعه . فلما تناول الخفّ ، ذكر الرجل خنجرا كان معه في الخف ، فاستخرجه ثم ضرب به صدره فشقه إلى عانته ، وقال له : الاستقصاء فرقة . فذهبت مثلا . وكان هذا الأعرابي من رماة الحدق « 2 » .

بين لص ورام

: وحدّث العتبي عن بعض أشياخه قال : كنت عند المهاجر بن عبد اللّه وإلى اليمامة ، فأتي بأعرابي كان معروفا بالسرق فقال له : أخبرني عن بعض عجائبك . قال : عجائبي كثيرة ، ومن أعجبها أنه كان لي بعير لا يسبق ، وكانت لي خيل لا تلحق ، فكنت أخرج فلا أرجع خائبا ، فخرجت يوما فاحترشت « 3 » ضبّا ، فعلّقته على قتبي ، ثم مررت بخباء ليس فيه إلا عجوز ليس معها غيرها ، فقلت : يجب أن يكون لهذه رائحة من غنم وإبل . فلما أمسيت إذا بإبل مائة ، وإذا شيخ عظيم البطن ، شثن الكفين « 4 » ، ومعه عبد أسود ، فلما رآني رحب بي ، ثم قام إلى ناقة فاحتلبها ، وناولني العلبة . فشربت ما يشرب الرجل ، فتناول الباقي فضرب به جبهته ، ثم احتلب تسع أينق فشرب ألبانهن ، ثم نحر حوارا « 5 » فطبخه ، فأكلت شيئا ، وأكل الجميع حتى ألقى عظامه بيضا ، وجثا على كومة من البطحاء وتوسدها ثم غط غطيط البكر . فقلت :
هامش
( 1 ) الأمواق : جمع موق ، وهو خفّ غليظ يلبس فوق الخفّ . ( 2 ) رماة الحدق : أي المهرة الحاذقين في الرميّ . ( 3 ) احترشت : اصطدت . ( 4 ) شنن الكفّين : غليظهما . ( 5 ) الحوار : ولد الناقة ، من وقت ولادته إلى وقت فطامه .
العقد الفريد — صفحة 158 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي