الفضل : ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال لو كتب إلى أهل خراسان وطبرستان والري ودنباوند أنه قد وهب لهم الخراج لسنة ، لم نخل نحن من إحدى خصلتين : إما رددنا فعله ولم نلتفت إليه فعصانا أهل هذه البلدان وفسدت نياتهم فانقطعوا عن معاونتنا .
وإما قبلناه وأمضيناه فلا نجد ما نعطي منه من معنا ، وتفرّق جندنا ووهى أمرنا .
فقال الفضل : الحمد للّه الذي ستر هذا الرأي عنه وعن أصحابه .
وكتب الحجاج إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة ، فكتب إليه : إن من البلية أن يكون الرأي بيد من يملكه دون من يبصره .
لبعض أهل التمرس
: وكان بعض أهل التمرس يقول لأصحابه : شاوروا في حربكم الشجعان من أولي العزم ، والجبناء من أولى الحزم ؛ فإن الجبان لا يألو « 1 » برأيه ما يقي مهجكم ، والشجاع لا يعدو ما يشدّ نصرتكم ؛ ثم خلّصوا من بين الرأيين نتيجة تحمل عنكم معرّة الجبان « 2 » ، وتهوّر الشجعان ، فتكون أنفذ من السهم الزالج « 3 » ، والحسام الوالج « 4 » .
بين الإسكندر ومؤدبه في مدينة فتحها
: وكان الإسكندر لا يدخل مدينة إلا هدمها وقتل أهلها ، حتى مرّ بمدينة كان مؤدّبه فيها ؛ فخرج إليه ، فألطفه الإسكندر وأعظمه . فقال له : أصلح اللّه الملك ، إن أحقّ من زيّن لك أمرك ، وأعانك على كل ما هويت لأنا ، وإن أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك ، فأحب أن تشفّعني فيهم ، وألّا تخالفني في كل ما سألتك لهم . فأعطاه من العهود والمواثيق على ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه . فلما توثّق منه قال : فإن حاجتي إليك أن تهدمها وتقتل أهلها . قال : ليس إلى ذلك سبيل ، ولا بد من مخالفتك . فقال له : ارحل عنا .
هامش
( 1 ) يألو : يقصّر .
( 2 ) معرّة الجبان : أي عيبه وعاره .
( 3 ) الزالج : النافذ الذي يخترق المصاب به .
( 4 ) الوالج : الداخل .