السّتور ، وأنهنّ مزورات ، وأولئك معدومات . وزعم من طلب القينة الجدو لمولاها « 2 » من عشقها وكثرة مؤونتها عليه ، وطلبها لما لديه ومسألتها الهدايا واللّطف ، والبرّ ، والتّحف ، إنما هو من رغبتها في هواه ، وميلها إلى رضاه ، ولأنها تؤثره على العالمين ، وتشتهي قربه دون سائر المحبّين . لأنه إذا وافى جدوها من عند عشيقها مع تتابع ألطافه ، وكثرة برّه وإسلافه ، رغب المولى في صفائه ، وطمع في استصفائه ، فأخلاها معه الأيام الكثيرة ، والليالي المتتابعة .
فهذه جملة من القيان لمن عشق ، ورغبة فيمن ومق . وليس ذاك عندنا كذلك ، وإنما هي حيلة ممّن احتجّ لهنّ بالوفاء ، وهن معروفات بالغدر والجفاء ، ولو كان ذلك كما زعموا ، لم تتغير له عند اختلاله ولا قلته عند إقلاله ، بل كان يكون منها عند ذلك الإسعاف على هواه ، والمؤاساة في نفسها في الحياة ، ولكن هو كما قال المؤمّل بن أميل : [ من الكامل ]
والغانيات كذاك هنّ غوادر * أبدا ، حبال وصالهنّ تجذّم
يخلبن بالنّظر الفتى ، ويعدنه * نيلا ، ودون عداتهنّ الأنجم
وكما قال بشّار بن برد « 3 » : [ من الطويل ]
فو اللّه ما أدري ، وكلّ مصيبة ، * بأي مكيدات النّساء أكاد
غرور مواعيد كأنّ جداءها * جدى بارقاب مزنهنّ جماد
« [ 154 ] » ومع ذلك ، فلا نفاق للشيوخ عندهن ، ولا لذوي القبح والعدم مطمع لديهن ، على أنهن يحتملن القبح والشّيب مع اليسار ، ويكرهنهما مع الفقر والإقتار ، فإذا اجتمع القبح والشّيب مع الإفلاس في أي إنسان كان من الناس ،
هامش
( 2 ) الجدو ، الجد أو الجدوى : العطية .
( 3 ) ديوان بشار 71 .
( [ 154 ] ) . . .