تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الظرف والظرفاء — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
« [ 148 ] » ومن أدل الأشياء على خبث سرائر الإماء أنّ الواحدة منهن ، إذا رأت في مجلس فتى له غنى وكثرة مال ، ويسار وحسن حال ، مالت إليه لتخدعه ، وأقبلت عليه لتصرعه . ومنحته نظرها ، وأبدته بصرها ، وغمزته بطرفها ، وأشارت إليه بكفّها . وغنّت على كاساته ، ومالت إلى مرضاته ، وشربت من فضلة كأسه ، وأومأت إلى تقبيل رأسه ، حتى توقع المسكين في حبالها ، وترهقه باحتيالها ، وتعلّق قلبه بحبّها ، وتطمعه في قربها ، وتحويه بلطف تملّقها ، وتستبيه ببديع تقنّعها ، وبالمكر والخداع ، وتطلّبها للاجتماع ، وتباكيها لفرقته ، وتحازنها عند روحته . ثم ترسل إليه بالرّسل ، وتعاديه بالختل ، وتخبره عن سهرها ، وتنبئه عن فكرها ، وتشكو إليه القلق ، وتخبره بالأرق ، وتبعث إليه بخاتمها ، وفضلة من شعرها ، وقلامة من ظفرها ، وشظيية من مضرابها ، وقطعة من مسواكها ، ولبان قد جعلته عوضا من قبلتها ، ومضغة لتخبره عن نكهتها ، وكتاب قد نمّقته بظرفها ، وطيّبته بكفها ، وسحته « 1 » بوتر من عودها ، ونقّطت عليه قطرات من دمعها ، وختمته بغالية « 2 » قد عدّل بالعنبر متنها ، واستمسك تحت الخاتم عجنها ، وطبعت عليه بفصّ قد نقشت عليه بعض مداعبتها ، وتمثّلت عليه ببعض مجانتها ، وضمّنت الكتاب شكوى شوق مريض ، وصفة شوق ممرّض ، تسأله المؤاتاة على حبّها ، والإعانة على كربها ، وأن يبعث يطلب زيارتها ، لتقرّ بالنظر إليه عينها ، وينفرج عنها حزنها ، فيطمع الغمز في قربها ، ولا يشكّ في الكلام في إخلاص حبّها ، فيميل إليها بوده ، وتصفيه بمكنون حبّه ، حتى إذا حوت عقله ، وصارت شغله ، واستمالت لبّه ، وسلبت قلبه ، واستمكنت من قربه ، ووثقت بصحيح حبّه ، وعلمت أنّه غريق في بحر البليّة ، أخذت في طلب الهدايا السّريّة ، وتشهّت الثياب العدنية « 3 » ، والأزر
هامش
( [ 148 ] ) . . . ( 1 ) سحته : شدته بسحاءة ، وهي ما تشد به الكتب . ( 2 ) غالية : ضرب من الطيب ، يتألف من عدة أصناف من الطيوب ، وهي تكلف غاليا ( الأعلاق النفيسة 198 ) . وتختلف الغالية حسب الصنف الغالب عليها ، من عنبرية وكافورية والصفراء التي لا تؤثر في الثياب . ( الرسالة البغدادية 139 ) . ( 3 ) الثياب العدنية : لم يحدد المؤلف هنا نوع الثياب ، والثياب العدنية مذكورة في الأغاني 3 : 105 -