بعولتهنّ الكهول البيض ، السادة . فقال : إما أن تقومي إليّ وإما أن أقوم إليك .
فقالت : ما تجشّمت من كراهة جنبات السّماوة « 5 » أبعد مما بيني وبينك . ثم قامت إليه ، فجلست إلى جانبه ، فمسح رأسها ، ودعا بالبركة ، وقال : اطرحي عنك خمارك ، فطرحته ، ثم قال : اخلعي درعك ، فخلعته ، ثم قال : حلّي إزارك ، فقالت : ذاك إليك ، فحلّه . فكانت من أحظى نسائه عنده . فلمّا كان يوم الدّار « 6 » أهوى رجل إلى عثمان بالسّيف ، فألقت نفسها عليه ، فضرب عجيزتها ، وكانت من أعظم النساء عجيزة ، فقالت : أشهد أنّك فاسق لم تأت غضبا للّه ولا لرسوله ! فأهوى إليها بالسيف ليضربها ، فاتّقته بيدها فقطع إصبعين من أصابعها ، فلما قتل عثمان قالت فيه ترثيه « 7 » : [ من الطويل ]
ألا إنّ خير الناس بعد نبيّه * قتيل التجيبيّ « 8 » الذي جاء من مصر
وما لي لا أبكي ، وتبكي قرابتي ، * وقد ذهبت عنّا فضول أبي عمرو
فبعث معاوية بعد ذلك يخطبها ، فنزعت ثنيّتها العليا وقالت : أذات عروس هذه ؟ فهذا ، واللّه حسن من وفاء النساء .
وقد تقدّم ذكر جماعة من أهل الوفاء اللاتي قتلن أنفسهن في أثر متعشّقيهنّ أغنى عن كثير من أخبارهن .
هامش
( 5 ) جنبات : جناب ، موضع في أرض كلب في السماوة ، بين العراق والشام ( معجم البلدان 2 : 164 ) .
والسماوة بادية بين الكوفة والشام قفرى ، ربما سميت السماوة للماء الذي بالبادية ( معجم البلدان 3 : 245 ) .
( 6 ) يوم الدار : اليوم الذي قتل فيه عثمان في داره .
( 7 ) البيتان في الكامل للمبرد 2 : 38 منسوبان للوليد بن عقبة ، وهما أيضا له في أنساب الأشراف 4 : 497 ، 591 وفي تاريخ الطبري 4 : 394 .
( 8 ) التجيبي : نسبة إلى تجيب ، محلة بمصر تنسب إلى قبيلة تجيب . والتجيبي : هو كنانة بن بشر الذي ضرب عثمان على مقدم رأسه ( أنساب 4 : 591 ) ووردت في الأصل التجوبي ، والتصحيح من المصادر .