تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
قوله تعالى : في سورة المزمل
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 )
[ المزمل : 2 - 3 ] فقوله
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 )
[ المزمل : 5 ] استطراد لأنه وسطه بين أوصاف الليل ، وما ذكره من أحكامه ، ثم رجع إلى حال الليل بعد ذكره بقوله :
إِنَّا سَنُلْقِي
وهذه هي فائدة الاستطراد ومعناه . ومنه قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
[ الإسراء : 78 - 79 ] فقوله :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
من الاستطراد الرائق لأنه خرج من ذكر الليل إلى ذكر قرآن الفجر ثم عاد بعده إلى ذكر الليل ، وهذه هي فائدة الاستطراد وحقيقته ، ومن تأمل آي التنزيل فإنه يجد فيها شيئا كثيرا من هذه الأمثلة . فأما الخروج من قصة إلى قصة وأسلوب إلى أسلوب آخر فعليه أكثر القرآن ، ومن السنة النبوية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في رواية جابر : أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الفتح وهو بمكة يقول : « إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » « 1 » ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قاتل الله اليهود حرّمت عليهم شحومها فباعوه وجملوه » ، فقيل يا رسول اللّه : أرأيت شحوم الميتة تطلى بها السفن ، ويستصبح بها الناس ، فقال : لا ، هو حرام . فقوله : « قاتل الله اليهود » « 2 » من باب الاستطراد لأنه قطعه عن حديث ما قبله ، ثم رجع إلى حديث ما كان تركه ، وهذه هي فائدة الاستطراد ، وقوله عليه السلام : « لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية ، واستهوته الخدعة فركن إلى دار سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب ، أو صرّ حالب ، فعلام تفرحون ؟ وما ذا تنتظرون ؟ ، فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا كأن لم يكن ، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل » فقوله : « فعلام تفرحون ؟ وما ذا تنتظرون ؟ » من الاستطراد ، الذي أناف على الغاية في الرشاقة والحسن وزاد ، لأن ما قبله وما بعده ذكر الدنيا بما فيها من النفاد والزوال ولكنه وسطه على جهة الاستطراد ، ثم رجع إلى ما شرع فيه من ذم الدنيا والإخبار عن نفادها وغرورها وزوالها . ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الاستطراد في بعض أيام صفّين : « معاشر المسلمين استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وعضّوا على النواجذ ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، وأكملوا اللأمة ، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها ، والحظوا الخزر واطعنوا
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري ومسلم وأحمد في المسند وغيرهم وانظر صحيح الجامع ح ( 1832 ) الإرواء 1290 . ( 2 ) صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم وانظر صحيح الجامع ح ( 4291 ) .