فهذه هي التفرقة بين التأويلين . ومن الأمثلة ما ورد عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، وهذا كقوله عليه السلام : « الحمد لله الفاشى حمده ، الغالب جنده ، المتعالى جده » .
وقوله : « الذي بعد فنأى ، وقرب فدنا ، وعلا بحوله ، ودنا بطوله » ، وقوله : « والسماوات ممسكات بيده مطويات بيمينه سبحانه وتعالى » ، وقوله : « ناصيتي بيدك ماض فىّ حكمك عدل فىّ قضاؤك » . وقوله عليه السلام : « فاتقوا الله الذي أنتم بنعمته ونواصيكم بيده ، وتقلبكم في قبضته » . ومن الأمثلة في كلام البلغاء قول بعضهم :
رأيت عرابة الأوسىّ يسمو * إلى العلياء منقطع القرين
إذا ما راية نصبت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين « 1 »
فليس الغرض باليمين هاهنا الجارحة على جهة الحقيقة ، وإنما أراد ما يكون على جهة التخييل كما مرّ بيانه ، وفي « الحريريات » قوله :
يا قوم كم من عاتق عانس * ممدوحة الأوصاف في الأنديه
قتلتها لا أتّقى وارثا * يطلب منى قودا أودية
فقوله العانس ، والقتل ، يظن من جهة الظاهر أن غرضه البكر ، وليس غرضه ذلك وإنما أراد الخمر ، فالعانس هي التي يكثر مقامها مع أبويها ، استعاره للخمر ، والقتل هو إزهاق الروح ، وأراد به هاهنا مزجها ، ومنه قوله أيضا « لم يزل أهلي وبعلى يحلون الصدر ويمتطون الظهر ويولون اليد ، فلما أردى الدهر الأعضاد ، وفجع بالجوارح والأكباد ، وانقلب ظهرا لبطن نبا الناظر ، وجفا الحاجب ، وصلد الزّند ، ووهت اليمين ، وبانت المرافق ، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب » ، فليس المراد بهذه الأشياء هي الجوارح كما هو المفهوم من ظاهرها ، وإنما أراد الجدب على جهة الخيال ، ولم يرد حقيقتها كما مر في غيره من المواضع .
هامش
( 1 ) البيتان للشماخ في ديوانه / 336 ، والإيضاح ص 201 .