الصنف التاسع التسجيع
اعلم أن هذا النوع من علوم البلاغة كثير التّدوار ، عظيم الاستعمال في ألسنة البلغاء ، ويقع في الكلام المنثور ، وهو في مقابلة التصريع في الكلام المنظوم الموزون في الشعر كما سنقرره ، ومعناه في ألسنة علماء البيان : « اتفاق الفواصل في الكلام المنثور في الحرف أو في الوزن أو في مجموعهما » كما سنفصل أنواعه ، واشتقاقه من قولهم : « سجعت الناقة » إذا مدت حنينها على جهة واحدة ، ومنه سجع الحمامة إذا هدرت ، فإن اتفقت الأعجاز في الفواصل مع اتفاق الوزن سمى المتوازى كقوله تعالى :
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 )
[ الغاشية : 13 - 14 ] وإن اتفقا في الأعجاز من غير وزن سمى المطرف كقوله تعالى :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
[ نوح : 13 - 14 ] . وكقول بعض البلغاء : « من حسنت حاله استحسن محاله » . وإن اتفقا في الوزن دون الحرف سمى المتوازن كقوله تعالى :
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 )
[ الغاشية : 15 - 16 ] فإذا تقررت هذه القاعدة فلنذكر حكمه في الاستعمال ثم نذكر شروطه ، ثم نردفه بذكر أقسامه ، ثم نذكر أمثلته فهذه فوائد أربع نفصلها بمعونة الله تعالى .
الفائدة الأولى في ذكر حكمه في الاستعمال
وفيه مذهبان :
المذهب الأول جوازه وحسنه ،
وهذا هو الذي عول عليه علماء أهل البيان ، والحجة على ذلك هي أن كتاب الله تعالى والسنة النبوية وكلام أمير المؤمنين مملوء منه وكلام البلغاء أيضا كما سنوضحه في الأمثلة ، فلو كان مستكرها لما ورد في هذا الكلام البالغ في الفصاحة كل مبلغ ، ولأجل كثرته في ألسنة الفصحاء لا يكاد بليغ من البلغاء يرتجل خطبة ولا يحرر موعظة إلا ويكون أكثره مبنيا على التسجيع في أكثره ، وفي هذا دلالة قاطعة على كونه مقولا مستعملا في ألسنة الفصحاء في المقامات المشهورة والمحافل المعهودة .
المذهب الثاني استكراهه ،
وهذا شيء حكاه ابن الأثير ، ولم أعرف قائله ، ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة ، ولعل الشبهة لهم في استكراهه ما ورد عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما أوجب في الجنين غرة ، عبدا أو أمة ، فقال الذي أوجبها عليه « كيف ندى من لا شرب ولا