الصنف الثامن الاستطراد
وهو نوع من علم البلاغة دقيق المجرى ، غزير الفوائد ، يستعمله الفصحاء ، ويعول عليه أكثر البلغاء ، وهو قريب من الاعتراض الذي قدمنا ذكره ، خلا أن الاعتراض منه ما يقبح ، ويحسن ، ويتوسط ، بخلاف الاستطراد فإنه حسن كله ، ومعناه في مصطلح علماء البيان أن يشرع المتكلم في شيء من فنون الكلام ، ثم يستمر عليه فيخرج إلى غيره ، ثم يرجع إلى ما كان عليه من قبل ، فإن تمادى فهو الخروج ، وإن عاد فهو الاستطراد ، واشتقاقه من قولهم : أطرده السلطان ، إذا أخرجه من بلده ، لأن المتكلم يخرج من كلامه إلى كلام آخر كما ذكرناه . ومنه الحديث : « التهجد مطردة للحسد » ، أي أنه يخرج الحسد من الإنسان .
أو يكون اشتقاقه من الاتساق . وفي حديث الإسراء : « فإذا هران يطردان منه طراد الفرسان » . وفي حديث ابن عباس حين تكلم أمير المؤمنين في الخلافة فعرض له عارض في أثناء الخطبة ، فقال له ابن عباس : « لو أطردت مقالتك يا أمير المؤمنين » ، فقال : « يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت » ، ومعناه : لو اتسقت مقالتك الأولى . لأن المتكلم يرجع من كلامه الذي أدخله على كلامه الأول وينسقه عليه فيتلاءم ويتسق ، فيمكن تقرير اشتقاقه على هذين الوجهين . وشبهه علماء البيان بمن يطرد صيدا ثم يعنّ له صيد آخر فيطرده ، ثم يرجع إلى الأول فيشتغل به ، ومنه الحديث : « كنت أطارد حية لأصيدها » « 1 » .
ويقال له المطاردة أيضا ، والألقاب قريبة لا يعرّج عليها . وتمام المقصود إنما يكون بذكر الأمثلة وإيرادها ، لأن المثال هو تلو الماهية في الإبانة عن حقيقة الشئ ومعرفة ذاته ، فمن الأمثلة من كتاب الله تعالى : قوله عز وجل :
أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 )
[ هود : 95 ] فقوله :
كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 )
استطراد بعد ذكره مدين ، لأنه عارض عند ذكره حال مدين ، وما كان منهم من التكذيب للرسل ، ثم قال « 2 » :
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[ الأعراف : 101 ] فإن كانت الضمائر راجعة إلى مدين ، فهو من باب الاستطراد كما ذكرناه ، وإن كانت الضمائر ، راجعة إلى ثمود فهو خروج ، لأن حقيقة المطاردة خارجة عنه ، ومنه
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 9 ، 3 / 452 .
( 2 ) هذه آية لم تذكر بعد ذكر مدين في كتاب الله تعالى .