تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠

الصنف الحادي والعشرون الائتلاف

وهو افتعال من قولهم ألّف الخرز بعضها إلى بعض إذا جمعها ، وهو يأتي على أوجه أربعة ،

الوجه الأول منها تأليف اللفظ مع المعنى ،

وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له ، فإذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا ، وإذا كان المعنى رقيقا كان اللفظ رقيقا ، فيطابقه في كل أحواله ، وهما إذا خرجا على هذا المخرج وتلاءما هذه الملائمة وقعا من البلاغة أحسن موقع ، وتألفا على أحسن شكل وانتظما في أوفق نظام ، وهذا باب عظيم في علم البديع ، وجاء القرآن الكريم على هذا الأسلوب ، فإذا كان المعنى وعيدا وزجرا أو تهديدا ، أو إنزال عذاب ، أو إيقاع واقعة ، أتى فيه بالألفاظ الغريبة الجزلة ، وإذا كان المعنى وعدا وبشارة ، أتى فيه بالألفاظ الرقيقة العذبة وهذا كقوله تعالى :
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 )
[ يوسف : 85 ] فلما كان مفخّما للخطب ومهولا له وخيف على يعقوب عليه السلام من دوام حزنه وطول أسفه جاء بالألفاظ الغريبة كقوله « تفتؤ » « والحرض » ، هو الإشفاء على الهلاك يقال حرض المريض إذا دنا من الهلاك ، وكما قال زهير :
أثافى سفعا في معرّس مرجل * ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم « 1 » فلمّا عرفت الدّار قلت لربعها * ألا أنعم صباحا أيها الربع واسلم « 2 »
فالبيت الأول ألفاظه غريبة لما كان المعنى المقصود جزلا لكونه غير معروف مجهولا حاله ، فلمّا عرفه أتى في البيت الثاني بما يلائم المعنى من رقة اللفظ وحسنه ورشاقته لما فيها من البيان والظهور وكثرة الاستعمال .

الوجه الثاني ائتلاف اللفظ مع اللفظ

وهو أن تريد معنى من المعاني تصح تأديته بألفاظ كثيرة ولكنك تختار واحدا منها لما يحصل فيه من مناسبة ما بعده وملائمته ، ومثاله قول البحتري في وصف الإبل بالهزال :
كالقسىّ المعطّفات بل ال * أسهم مبريّة بل الأوتار « 3 »
هامش
( 1 ) انظر المصباح 250 . ( 2 ) المصباح ص 250 . ( 3 ) البيت في المصباح ص 250 .