تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
والبقاء في موضع يقطع على صاحبه بالموت أحسن من جعله مقرّرا لثباته في حال هزيمة الأبطال ، وأما ثانيا فلأن جعل قوله « ووجهك وضاح وثغرك باسم » تتمة لقوله « تمر بك الأبطال » أحسن من جعله تتمة لقوله « وقفت وما في الموت شك لواقف » لأن الإنسان في حال الهزيمة يلحقه من ضيق النفس وعبوس الوجه ما لا يخفى ، فلهذا ألصق كل واحد منهما بما يكون فيه ملاءمة وحسن انتظام من أجل المبالغة في المعاني ، ويحكى أنه لما أنشد سيف الدولة هذه القصيدة نقم عليه هذين البيتين ، قال هلا جعلت عجز أحدهما عجزا للآخر فأجابه بما ذكرناه من بلاغة المعنى إذا كان على هذه الصفة ، فاستحسن سيف الدولة ما قاله من ملاحظة المعاني التي هي مغازيه في قصائده وزاد في عطيته ، ومن هذا قوله تعالى :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 )
[ طه : 118 - 119 ] ولم يقل فإنك لا تجوع فيها ولا تظمى ، وأنك لا تعرى فيها ولا تضحى ، فإنه لم يراع ملاءمة الري للشبع ، ولا أراد مناسبة الاستظلال للضّحى ، وإنما أراد مناسبة أدخل من ذلك ، فقرن الجوع بالعرى لما للإنسان فيهما من مزيد المشقة وعظيم الألم بملابستهما ، وأراد مناسبة الاستظلال للرىّ ، فقرن بينهما لما في ذلك من مزية الامتنان ، وإكماله ، ووجه آخر وهو أن الجوع يلحق منه ألم في باطن الإنسان وتلتهب منه أحشاؤه ، والعرى يلحق منه ألم في ظاهر جسد الإنسان فلهذا جمع بينهما لما كان أحدهما يتعلق بالظاهر والآخر يتعلق بالباطن ، وهكذا حال الظمأ فإنه يحرق كبد الإنسان ويوقد في فؤاده النار ، والضّحا يحرق جسده الظاهر فلأجل هذا ضمّ كل واحد منهما إلى ما له به تعلق لتحصل المناسبة ، ومن جيد ما يورد مثالا هاهنا ما ذكره المتنبي في السيفيات :
فالعرب منه مع الكدرىّ طائرة * والروم طائرة منه مع الحجل « 1 »
يصف انهزام الناس من خوفه وشدة سطوته ، فالكدرىّ والحجل طائران ، لكن الكدرىّ أكثر ما يكون في الصحارى والقفار والمفازات ، فضمه مع العرب ، لأن أكثر ما يسكنون هذه المواضع ، وضم الحجل إلى الروم ، لأنها أكثر ما تأوى إلى الأمواه وشطوط الأنهار ، وبلاد الروم فيها الأنهار الكثيرة ، فلأجل هذه المناسبة والتزامها ضم كل واحد إلى ما يليق به ويناسبه بعض مناسبة ، وقوله « طائرة » فيه وجهان ، أحدهما أن يريد أنها كالطير في سرعة هربها وخفّة جريها فرقا منه وخوفا من بأسه ، وثانيهما أن يريد أنها متفرقة في
هامش
( 1 ) انظر المصباح ص 252 .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 82 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي