تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 5

مساهمون:

ص٥

التقرير الثاني في بيان أمثلته

وهي واسعة الخطو ممتدة الحواشى في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وكلام البلغاء كأمير المؤمنين كرم الله وجهه وغيره من أرباب البلاغة الذين خاضوا بحر عمانها ، وغاصوا على لآلئها ومرجانها ، وميزوا فيها بين خرزها وجمانها ، وحصلها ومجانها ، وفصلوا منها بين هجينها وهجانها ، فمن أمثلة التنزيل قوله تعالى :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
[ المائدة : 64 ] وقوله تعالى :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 14 ] وقوله تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )
[ الرحمن : 27 ] وقوله تعالى :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] وقوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[ طه : 39 ] وقوله تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] وقوله تعالى :
فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] إلى غير ذلك من الآيات الموهمة بظاهرها للأعضاء والجوارح ، فإذا قام البرهان العقلي على استحالة هذه الأعضاء على الله تعالى وأنه منزه عن جميع أنواع التشبيهات المكونات الجسمية والعرضية وتوابعهما كالكون في الجهات ، والأعضاء والجوارح ، والحلول والمجيء والذهاب وغير ذلك من توابع الجسمية والعرضية ، فلا بد من تأويل هذه الظواهر على ما تكون موافقة للعقل ، وإعطاء للبلاغة حقها لأن مخالفة العقل غير محتملة ، وحمل الكلام على غير ظاهره محتمل ، وتأويل المحتمل أحق من تأويل غير المحتمل ، فلهذا وجب تأويلها ، وللعلماء في تأويلها مجريان : فالمجرى الأول الذي ينتجه علماء الكلام من الزيدية والمعتزلة وغيرهم من المنزهة ، وهو أنهم يتأولون هذه الظواهر على تأويلات وإن بعدت حذرا عن مخالفة العقل ، واغتفر بعدها لأجل مخالفة العقل ، ويعضدون تأويلاتهم بأمور لغوية ، فيقولون المراد باليد النعمة ، وإن المراد بالعين العلم ، إلى غير ذلك ، وحملهم لها على هذه التأويلات لما لم يأنسوا بشئ من علوم البيان ، ولا ولعوا بشئ من مصطلحاته ، فجاءوا بهذه التأويلات الركيكة التي يأنف منها كل محصّل ، ويزدريها نظر أهل البلاغة . المجرى الثاني وهو الذي عول عليه علماء البلاغة والمحققون من أهل البيان ، وهي أنها جارية على نعت التخييل ، فهي في الحقيقة دالة على ما وضعت له في الأصل ، لكن معناها غير متحقق ، وإنما هو أمر خيالي ، فاليد مثلا دالة على الجارحة ، والعين كذلك لكن تحقق