تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
غيره ، يخرج عنه ما ليس كذلك ، فإن حقيقة المبالغة الزيادة لا محالة وقوله وصفا من الأوصاف ، عام في المدح والذم ، والحمد ، والشكر وسائر الأوصاف التي يمكن فيها الزيادة وقوله إما على جهة الإمكان ، أو التعذر ، أو الاستحالة ، يشمل أنواع المبالغة ، لأن ما ذكرناه يقال له مبالغة إذا كان يصح وقوعه ، أو يكون متعذرا مع إمكانه ، أو مستحيلا لا يمكن وقوعه فكله معدود في المبالغة ، فإذا عرفت هذا فلنذكر مذاهب الناس فيها ، ثم نذكر طرقها ، ثم نردفه بذكر أنواعها فهذه فوائد ثلاث نفصلها بمعونة الله تعالى .

الفائدة الأولى في ذكر مذاهب الناس فيها

اعلم أن لعلماء البيان في المبالغة مذاهب ثلاثة في كيفية مدخلها في الكلام وإفادتها لما تفيده ، وهل تعد من فنون علم البديع أم لا :

المذهب الأول أنها غير معدودة من محاسن الكلام ،

ولا من جملة فضائله ، وحجتهم على هذا هو أن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهاج الصدق من غير إفراط ولا تفريط ، والمبالغة لا تخلو عن ذلك كما جاء في أشعار المتأخرين من الإغراق والغلو ، وجه آخر وهو أن المبالغة لا يكاد يستعملها إلا من عجز عن استعمال المألوف والاختراع الجاري على الأساليب المعهودة ، فلا جرم عمد إلى المبالغة ليسد خلل بلادته بما يظهر فيه من التهويل ولهذا تراها مخرجة للكلام إلى حد الاستحالة ، فهذا تقرير كلام من منع المبالغة .

المذهب الثاني على عكس هذا وهو أن المبالغة من أجل المقاصد في الفصاحة ،

وأعظمها في البراعة ، ومن أجلها نشأت المحاسن في المعاني الشعرية ، وحجتهم على هذا أن خير الشعر أكذبه ، وأفضل الكلام ما بولغ فيه ، ولهذا فإنك ترى الكلام إذا خلا عنها وبعد عن استعمالها كان ركيكا نازلا قدره ، ومتى خلط بها ظهرت فصاحته وراق رونقه وحسن بهاؤه وبريقه ، فهذا تقرير مقالة من قبلها واستعملها .

المذهب الثالث مذهب من توسط ، وهو أن المبالغة فن من فنون الكلام ونوع من محاسنه ،

ولا شك أن
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 64 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي