تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 3

مساهمون:

ص٣

الجزء الثالث

[ تتمة الفن الثاني من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة ]

[ تتمة باب الرابع من فن المقاصد في ذكر أنواع البديع وبيان أقسامه ]

[ تتمة النمط الأول ما يتعلق بذكر الفصاحة اللفظية وبيانها ]

الصنف السابع التخييل

اعلم أن هذا النوع من علم البديع من مرامى سهام البلاغة المسددة ، وعقد من عقود لآليه وجمانه المبددة ، كثير التدوار في كتاب الله تعالى ، والسنة الشريفة ، لما فيه من الدقة والرموز ، واستيلائه على إثارة المعادن والكنوز ، ومن أجل ذلك ضل من ضل من الجبرية بسبب آيات الهدى والضلال ، وعمل من أجله على الانسلاخ عن الحكمة والانسلال ، وزل من زل من المشبهة باعتقاد التشبيه ، وزال عن اعتقاد التوحيد باعتقاد ظاهر الأعضاء والجوارح في الآي فارتطم في بحر التمويه ، فهو أحق علوم البلاغة بالإتقان ، وأولاها بالفحص عن لطائفه والإمعان ، ولو لم يكن في الإحاطة به إلا السلامة عما ذكرناه من زيغ الجهال ، والخلاص عن ورط الزيغ والضلال ، لكان ذلك بغية النظار والضالة التي يطلبها غاصة البحار ، فضلا عما وراء ذلك من درر مكنونة ، وأسرار مودعة فيه مخزونة ، ومن ثم قال الشيخ النحرير محمود بن عمر الزمخشري نوّر الله حفرته : ولا نرى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع لي عونا على تعاطى المشتبهات من كلام الله تعالى وكلام الأنبياء ، ولعمري لقد قال حقا ونطق صدقا . ثم أقول : إن السبب في حسن موقعه في البلاغة هو ما اختص به هذا النوع من كونه موضوعا على تشبيه غير المحسوس بالمحسوس ، كقوله تعالى :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[ المائدة : 64 ] وقوله تعالى :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 14 ] إلى غير ذلك وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى ، فلأجل ما ذكرناه كان واقعا في أرفع موضع ، فلا جرم إن نحن خصصناه بازدياد بسط وتكثير أمثلة ، وسببه ما نبهنا عليه من عظم قدره ، وعلو شأنه ، وظهور أمره ، والتخييل مصدر من قولك تخيلت الأمر إذا ظننته على خلاف ما هو عليه ، أو من قولك : خيلت فيك خيرا إذا ظننته فيه ، فهو مصدر لهذين الفعلين كما ترى ، ومنه الخيال ، وهو خشبة توضع عليها ثياب سود تنصب للطير والبهائم فتظنه إنسانا فتبعد عنه وتهابه ، قال الشاعر :
أخي لا أخا لي بعده غير أنني * كراعى خيال يستطيف بلا فكر
فنذكر معناه ثم نذكر أمثلته ، فهذان تقريران :