تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧

الصنف الموفى عشرين وهو الترديد

والترديد تفعيل من قولهم : ردد الثوب من جانب إلى جانب ، وردد الحديث ترديدا أي كرره ، ومعناه في مصطلح علماء البيان أن تعلّق اللفظة بمعنى من المعاني ثم تردّها بعينها وتعلقها بمعنى آخر ، وعند هذا يحسن رصفه ويعجب تأليفه هذا كقول أبى نواس في وصف الخمر « 1 » :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها * لو مسّها حجر مسّته سرّاء
فأضاف المس الأول إلى الحجر في الأول ثم أضاف المس إلى السراء في الثاني ليكون الكلام متناسبا مفيدا لفائدة جديدة وكقول ابن جبلة :
مضطرب يرتجّ من أقطاره * كالماء جالت فيه ريح فاضطرب إذا تظنّينا به صدّقنا * وإن تظنّى فوقه الدهر كذب لا يبلغ الجهد به راكبه * ويبلغ الريح به حيث طلب
ففي كل واحد من هذه الأبيات لفظة مكررة قد علق عليها في الأول ما لم يعلق عليها في الثناء كما تراه حاصلا في صورته ، وما هذا حاله يقال له التعطف لأنه يتعطف على الكلمة الواحدة فيوردها مرتين ، ومنه تعطفت الناقة على ولدها إذا كانت ترضعه مرة بعد مرة ، فهذا ما أردنا ذكره في هذا النمط من أنواع البديع المتعلقة بالفصاحة اللفظية ، قد اقتصرنا فيه على هذا القدر ففيه كفاية ، ونحن وإن أخللنا بشئ من أوصافه فإنه مندرج تحت ما ذكرناه من هذه الأصناف بمعونة الله تعالى .
هامش
( 1 ) البيت في المصباح ص 162 .