تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
حاصلا على الانتظام العجيب ، فوروده على هذه الصفة لا محالة يقدح في إعجازه . والجواب عن قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
أنه إنما قدم العبادة على الاستعانة من جهة أن الاهتمام كان من أجل العبادة ، فلهذا قدمها لأن العبادة من جهتهم ، والإعانة إنما هي حاصلة من جهته ، فكأن الذي يكون من جهته حاصل لا محالة غير متأخر لقوة الداعية إليه ، بخلاف الذي يكون من جهتهم ، فإنه ربما وقع ، وربما لم يقع ، فمن أجل ذلك كانت العناية بتقديم العبادة أعظم ، ومن وجه آخر ، وهو أن تقديم الوسيلة ربما كان أدخل في إنجاح المطلوب وأسرع إلى تحصيله . فأما قوله تعالى
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
[ الأعراف : 4 ] فقد ذكر المفسرون فيها وجوها ، إما على أن التقدير فيها « وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا » فالعطف لمجيء البأس إنما كان على الإرادة ، وهي سابقة لا محالة ، وإما على أن التقدير ، وكم من قرية أهلكناها فحكمنا بمجيء البأس بعد الإهلاك ، لأن الحكم بمجيء البأس لا يكون إلا بعد وقوعه وحصوله ، وإما على أن الإهلاك ومجىء البأس في الحقيقة أمر واحد ، وحقيقة واحدة يجوز تقديم أحدهما على الآخر من غير ترتيب بينهما ، وعلى هذا تقول : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ، وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها ، فلا يعقل بينهما ترتيب ، لما كانت حقيقتهما واحدة ، كما تقول سرت إلى السوق فجئته وجئت السوق فسرت إليه ، فالقرآن الكريم لا يخلو عن هذه اللطائف والأسرار الجارية على القوانين الإعرابية ، والأسرار الأدبية ، بحيث لا يخالفها من تفطن لها منه وأخذها أخذ مثلها مع استيلائه على حقائق هذين العلمين علم المعاني وعلم البيان .

الجهة الرابعة عشرة من المطاعن على القرآن كونه موضحا للأمور الواضحة ،

وهذا كقوله تعالى :
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] هذا حاله فهو جلى لا يحتاج إلى بيان ، لأن الثلاثة إلى السبعة ، هي عشرة أعداد لا محالة ، فقوله
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
خلو عن الفائدة ، وما هذا حاله فإنه لا يليق بما كان معجزا ، ثم إذا كان بهذه الحالة فكيف زعمتم أنه تؤخذ منه الأسرار الدقيقة ، وتستنبط منه المعاني الغريبة فما هذا حاله في الكلام لا يكون خليقا بما ذكرتموه . والجواب عما أوردوه من أوجه ثلاثة ، أما أولا فلأن الإيضاح والبيان مقصدان من مقاصد الفصاحة والبلاغة ، وقد تكلم علماء البيان فيهما جميعا ، وأنهما مما يزيد الكلام