وجوابه : أنا نقول قد تقرر في القضايا بالعقلية ، وثبت بالأدلة القطعية ، أن القادر متى توفرت دواعيه على الفعل ، ولم يكن هناك مانع فإنه يجب وقوعه ، ومتى خلص الصارف فإنه يتعذر وقوعه ، وهذا معلوم بأوائل العقول لا شك فيه .
قوله : إذا وجب الفعل عند الداعية ، وجب الجبر ، وهو فاسد .
قلنا : هذا خطأ ، فإن الوجوب له معنيان ، أحدهما أن الفعل واجب على معنى أن عدمه مستحيل ، وهذا هو الذي يبطل الاختيار ، ونحن لا نعتقده ، وثانيهما أن يكون الغرض بالوجوب هو أولوية الوقوع والحصول ، لا على معنى أنه يستحيل خلافه ، ولكن على معنى أنه أحق بالوجود عند تحقق الداعية ، هذا ملخص ما قاله الشيخ محمود الخوارزمي الملاحمى في تفسير الوجوب ، لئلا يبطل الاختيار ، والمختار أن الفعل عند تحقق الداعية وخلوصها ، واجب الحصول على معنى أنه يستحيل خلافه بالإضافة إلى الداعية ، وواجب الحصول وجوبا لا يستحيل خلافه بالإضافة إلى القدرة ، ومع هذا التوجيه لا يبطل الاختيار ، وعلى كلا الوجهين ، فإنا نعلم توفر دواعيهم إلى تحصيل المعارضة ، وأنه يجب وقوعها وحصولها منهم إذا كانت ممكنة ، فلما لم تقع مع توفر الداعي دل على أن الوجه في تأخرها عدم الإمكان لا محالة .
السؤال السابع : سلمنا توفر دواعيهم إلى المعارضة وأنها واجبة الوقوع عند توفر الدواعي إليها ، ولكنا لا نسلم أنها غير واقعة فما برهانكم على ذلك .
وجوابه من أوجه أربعة : أما أولا : فلأن ما هذا حاله لا يخفى وقوعه لو وقع كسائر الأمور العظيمة التي لا تخفى ، بل نقول إن هذه المعارضة يجب أن تكون أكثر اشتهارا من القرآن ، لأن القرآن يصير هو الشبهة ، وهذه المعارضة هي الدلالة فتكون أحق بالاشتهار لما ذكرناه ، وأما ثانيا : فلأن غير القرآن من القصائد في الجاهلية والإسلام لم يخف حاله ، وأنه ظاهر ، فكيف حال ما يكون معارضا للقرآن وهو بالاشتهار لا محالة أحق ، وأما ثالثا : فلأن خرافات « مسيلمة » قد نقلت مع ركتها وضعف حالها وقدرها ، وقد اهتم العلماء في نقلها ، فكيف حال ما هو أدخل منها في التحقق ، وأما رابعا فلأن حرص المخالفين على نقل هذه المعارضة شديد ، كاليهود والنصارى ، وسائر الملل الكفرية ، من الملاحدة وغيرهم ، لما فيه من التنويه بإبطال أمره صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا جرم يزداد الحرص وتعظم الدواعي ، لأن فيها إبطال أمره على سهولة بوقوع هذه المعارضة .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 213
مساهمون: يحيي بن حمزة العلوي اليمني
ص٢١٣