يمتنع اشتداد شوكته ، فلأجل الخوف من ذلك ، عدلوا إلى الحرب ، وأما ثالثا : فلأنه يحتمل أن يكون عدولهم عن المعارضة ، لأن التحدي إنما وقع بمثله ، ولم يعرفوا حقيقة المماثلة ، هل تكون بالفصاحة ، أو البلاغة ، أو بالنظم ، أو بهذه الأمور كلها ، أو في الإخبار عن العلوم الغيبية ، أو في استخراج الأسرار الدقيقة ، أو غير ذلك مما يكون القرآن مشتملا عليه ، فلهذا عدلوا عن المعارضة ، فصح بما ذكرناه أن دواعيهم إلى المعارضة غير متوفرة لأجل هذه الاحتمالات التي ذكرناها .
وجوابه أنا قد أوضحنا توفر دواعيهم إلى معارضته بما لا مدفع له إلا بالمكابرة ، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه ، أن الأمر المطلوب إذا كان لتحصيله طرق كثيرة وكانت معلومة في نفسها ، ثم بعضها يكون أسهل وأقرب في تحصيل المقصود ، فإنا نعلم من حال العاقل اختيار الطريق الأسهل ، وقد علمنا بالضرورة أن أسهل الطرق في دفع من يدعى مرتبة عظيمة على غيره ، معارضتها بمثلها إن كانت المعارضة ممكنة ، ونعلم أن هذا العلم الضروري حاصل لكل العقلاء ، حتى نعلم أن طفلا من الأطفال لو ادعى على غيره من سائر الأطفال شيلان حجر ، أو طفر جدول ، أو رمى غرض ، فإنهم يتسارعون إلى معارضته بمثل دعواه ، وهذه الجملة تفيد توفر دواعي العرب على إبطال أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بمعارضة دعواه بمثلها لو كانت ممكنة لهم ، فإذا كان هذا حاصلا في حق الأطفال ، فكيف من بلغ حالة عظيمة في الحنكة والتجربة .
قولهم : أولا لعلهم اعتقدوا أن المعارضة لا تحسم دعواه ، قلنا هذا فاسد ، لأنهم في استعمال الحرب غير واثقين بحصول المطلوب ، لأنهم غير واثقين بالظفر عليه ، بخلاف المعارضة ، فإنهم ليسوا على خطر منها ، لأنهم واثقون ببطلان أمره عند وقوعها ، وقولهم ثانيا : لو عارضوا لكان الخلاف غير منقطع بوقوعها ، قلنا هذا فاسد أيضا : فإنه ليس الغرض هو حصول المماثلة من كل الوجوه ، لأنه لا يدرك مماثلة الكلامين من جميع الوجوه إلا بالقطع بالاشتراك في كل الأحكام ، وهذا مما يعلمه الله دون غيره ، بل المقصود من التحدي ، إنما هو الإتيان بما يظن كونه مثلا ، أو قريبا من المثل ، وأمارة ذلك وقوع الاختلاف بين الناس في كونه مثلا ، أو غير مثل ، وقولهم ثالثا : إنهم لم يعرفوا حقيقة المثل الذي طلبه فيه المعارضة هل هو الفصاحة ، أو الأسلوب ، أو الإخبار عن علوم الغيب ؟
قلنا هذا فاسد لأمرين ، أما أولا فلأنه لو اشتبه عليهم لاستفهموه عما يريد ، لكن الأمر في
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 211
مساهمون: يحيي بن حمزة العلوي اليمني
ص٢١١