تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
ذلك معلوم لهم ، فلهذا لم يعالجوه في شيء من ذلك ، لتحققهم أنهم لو أتوا بما يماثله ، لبطل أمره ، فسكوتهم عنه دلالته على تحققهم من ذلك ، وأما ثانيا فلأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أطلق التحدي ولم يخصه بشئ من دون شيء ، اتكالا منه على ما يعلم من ذلك بمجرى العادة واطرادها في التحدي بين الشعراء والخطباء ، فلأجل ذلك لم يكن محتاجا إلى تفسير المقصود . السؤال الخامس : سلمنا توفر دواعيهم إلى المعارضة كما قلتم ، لكن لا نسلم ارتفاع المانع عن المعارضة كما قلتم ، فلم ينكرون على من يقول إنه منعهم عن المعارضة اشتغالهم عنها بالحروب العظيمة ، فإن فيها شغلا عن كل شيء ، أو يقول خوفهم من أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأنصاره وأعوانه ، لأن قوة الدولة والشوكة تمنع من ذلك ، ولهذا فإن ابن عباس رضي الله عنه لم يمكنه إظهار مذهبه في العول أيام عمر خوفا من سطوته ، ولا شك أن الخوف مانع عما يريده الإنسان في أكثر أحواله . وجوابه من أوجه ثلاثة : أما أولا : فلأن المعارضة للقرآن إنما هي من قبيل الكلام ، والحرب غير مانعة من وجود الكلام ، ولهذا فإنهم كانوا والحرب قائمة يتمكنون من الأشعار والخطب في المحافل ، فكيف يقال إن الحرب مانعة من وجود المعارضة ، وأما ثانيا : فلأن الحرب لم تكن دائمة ، وإنما كانت في وقت دون وقت ، فلم لا يشتغلون بالمعارضة في أوقات الفراغ عن الحرب ، وأما ثالثا : فلأنه عليه السلام ما كان يحارب كل العرب ، ولا شك أن الفصحاء منهم كانوا قليلين ، فكان الواجب على الشجعان الاشتغال بالحرب ، وأن يقعد أهل الفصاحة للاشتغال بالمعارضة ، ومن وجه رابع : وهو أنه ما حاربهم قبل الهجرة فكان ينبغي لهم الاشتغال بالمعارضة ، إذ لا حرب هناك قائمة بينهم وبينه ، ومن وجه خامس : وهو أنه كان يجب عليهم أن يقولوا إنك شغلتنا بالحرب عن معارضتك ، فاترك الحرب حتى نتمكن من معارضتك ، وهم لم يقولوا ذلك ولا خطر لأحد منهم على قلب ، وفي هذا دلالة على أنه لا مانع لهم من المعارضة بحال . السؤال السادس : سلمنا أنه لا مانع لهم من المعارضة ، وأن دواعيهم متوفرة إليها ، فلم قلتم باستحالة تأخر المعارضة والحال هذه ، وبيان ذلك أن الفعل عند توفر الدواعي وزوال الموانع ، لا يخلو الحال هناك ، إما أن يجب الفعل أو لا يجب ، فإن وجب لزم الجبر وهو فاسد عندكم ، وإما أن لا يجب الفعل والحال ما قلناه ، فلم يلزم من توفر الداعي وزوال الموانع وجود المعارضة ، وعند هذا لا يكون تأخرهم عنها دلالة على عجزهم عنها ، لجواز كونهم قادرين عليها ولا يلزم وقوعها .