تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
كان الأمر فيه كما ذكرناه فهو معجز ، وإنما قلنا : إنه عليه السلام تحدّاهم بالقرآن لما تواتر من النقل بذلك في القرآن ، وقد نزلهم الله في التحدّى على ثلاث مراتب ، الأولى بالقرآن كله ، فقال تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 )
[ الإسراء : 88 ] الثانية بعشر سور منه كما قال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[ هود : 13 ] الثالثة بسورة واحدة كما قال تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ البقرة : 23 ] ثم قال بعد ذلك :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
[ البقرة : 24 ] فنفى القدرة لهم على ذلك بقضية عامة ، وأمر حتم لا تردّد فيه ، فدلّت هذه الآيات على التحدي ، مرة بالقرآن كله ، ومرة بعشر سور ، ومرة بسورة واحدة ، وهذا هو النهاية في بلوغ التحدي ، وهذا كقول الرجل لغيره : هات قوما مثل قومي ، هات كنصفهم ، هات كربعهم ، هات كواحد منهم ، وإنما قلنا : إنهم عجزوا عن معارضته لأن دواعيهم متوفّرة على الإتيان بها ، لأنه عليه السلام كلف العرب ترك أديانهم ، وحطّ رئاستهم ، وأوجب عليهم ما يتعب أبدانهم ، وينقص أموالهم ، وطالبهم بعداوة أصدقائهم ، وصداقة أعدائهم ، وخلع الأنداد والأصنام من بين أظهرهم ، وكانت أحب إليهم من أنفسهم من أجل الدين ، ولا شك أن كل واحد من هذه الأمور مما يشق على القلوب تحمله ، ولا سيما على العرب مع كثرة حميّتهم ، وعظيم أنفتهم ، ولا شك أن الإنسان إذا استنزل غيره عن رئاسته ، ودعاه إلى طاعته ، فإن ذلك الغير يحاول إبطال أمره بكل ما يقدر عليه ويجد إليه سبيلا ، ولما كانت معارضة القرآن بتقدير وقوعها مبطلة لأمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، علمنا لا محالة قطعا توفّر دواعي العرب عليها ، وإنما قلنا : إنه ما كان لهم مانع عنها لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان في أول أمره بحيث تخاف قهره كل العرب ، بل هو الذي كان خائفا منهم ، وإنما قلنا : إنهم لم يعارضوه لأنهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أحق من اشتهار القرآن ، لأن القرآن حينئذ يصير كالشبهة ، وتلك المعارضة كالحجة ، لأنها هي المبطلة لأمره ، ومتى كان الأمر كما قلناه وكانت الدواعي متوفرة على إبطال أبهة المدعى وإبطال رونقه ، وإزالة بهائه ، كان اشتهار المعارضة أولى من اشتهار الأصل ، فلما لم تكن مشتهرة علمنا لا محالة بطلانها ، وأنها ما كانت ، وإنما قلنا إن كل من توفرت دواعيه إلى الشئ ولم يوجد مانع منه ، ثم لم يتمكن من فعله ، فإنه يكون عاجزا ، لأنه لا معنى للعجز إلا ذاك ، وبهذا الطريق نعرف عجزنا عن كل ما
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 207 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي