تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وديباجة للبراعة ، ولهذا فإنك تجد الافتتاحات في القرآن الكريم على أحسن ما يكون وأبلغه ، للملائمة المقصود بالسورة من إيقاظ كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 )
[ المزمل : 1 ] ،
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 )
[ المدثر : 1 ] ،
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
[ النساء : 1 ] ،
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
[ الأحزاب : 1 ] ، وغير ذلك ، أو بشارة كقوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 )
[ المؤمنون : 1 ] أو إنذار كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 )
[ الحج : 1 ] وهكذا جميع السور فإنها دالة على المقصود في الابتداء .

الضرب التاسع التخلص

وهو عبارة عن الخروج إلى المقصد المطلوب عقيب ما ذكره من قبل ، ومثاله قوله تعالى في سورة المدثر :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 )
[ المدثر : 1 - 2 ] ثم تخلص بعد ذلك إلى ما هو المقصود بقوله :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 )
[ المدثر : 11 ] فلما اتعظ الرسول بالأمر بالإنذار ، عقبه بالوعيد الشديد للوليد بن المغيرة بقوله :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 )
إلى آخر الآيات وهكذا في كل سورة تجده يتخلص إلى المقصود بأعجب خلاص كما قال تعالى في سورة النور :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
[ النور : 1 ] ثم تخلّص بذكر حكم الزانية والزاني إلى ما هو المقصود بعد ما قدم ما قدمه من ذكر السورة المفروضة المحكمة .

الضرب العاشر الاختتامات

وهو عبارة عن توخّى المتكلم ختم كلامه بما يشعر بالنجاح والتمام لغرضه ، وهذا تجده في القرآن على أحسن شيء وأعجبه ، فإن الله تعالى ختم سورة البقرة ، بالدعاء ، والإيمان بالله تعالى والتصديق لرسله ، وختم سورة آل عمران بالتنبيه على النظر في المخلوقات والأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة إلى غير ذلك من جميع السور ، فإنك تجدها ملائمة ، وتجد المطالع والمقاصد والخواتيم كلها مسوقة على أعجب نظام وأكمله ، ولنقتصر على هذا القدر من تعريف ما وقع من علم البديع في كتاب الله تعالى ، وقد أشرنا إلى هذه الأساليب في أول الكتاب بأكثر من هذا وقررناه بالأمثلة ، فأغنى عن الإطالة .