الفصل الثاني في بيان كون القرآن معجزا
اعلم أن الكلام في هذا الفصل وإن كان خليقا بإيراده في المباحث الكلامية ، والأسرار الإلهية ، لكونه مختصا بها ومن أهم قواعدها ، لما كان علامة دالة على النبوة وتصديقا لصاحب الشريعة ، حيث اختاره الله تعالى بيانا لمعجزته ، وعلما دالا على نبوته ، وبرهانا على صحة رسالته ، لكن لا يخفى تعلّقه بما نحن فيه تعلقا خاصا ، والتصاقا ظاهرا ، فإن الأخلق بالتحقيق أنا إذا تكلمنا على بلاغة غاية الإعجاز بتضمنه لأفانين البلاغة ، فالأحق هو إيضاح ذلك ، فنظهر وجه إعجازه ، وبيان وجه الإعجاز ، وإبراز المطاعن التي للمخالفين ، والجواب عنها ، والذي يقضى منه العجب ، هو حال علماء البيان ، وأهل البراعة فيه عن آخرهم ، وهو أنهم أغفلوا ذكر هذه الأبواب في مصنفاتهم بحيث إن واحدا منهم لم يذكره مع ما يظهر فيه من مزيد الاختصاص وعظم العلقة ، لأن ما ذكروه من تلك الأسرار المعنوية ، واللطائف البيانية من البديع وغيره ، إنما كانت وصلة وذريعة إلى بيان السر واللّباب ، والغرض المقصود عند ذوى الألباب ، إنما هو بيان لطائف الإعجاز ، وإدراك دقائقه ، واستنهاض عجائبه ، فكيف ساغ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها ، وذكروا في آخر مصنفاتهم ما هو بمعزل عنها ، كذكر مخارج الحروف وغيرها مما ليس مهمّا ، وإنما المهم ما ذكرناه ، ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ في المباحث الكلامية ، ولا كانت له قدم راسخة في العلوم الإلهية ، وهم الأكثر منهم كالسكاكى ، وابن الأثير ، صاحب التبيان ، وغيرهم ممن برّز في علوم البيان ، وصبغ بها يده ، وبلغ فيها جدّه وجهده ، فما بال من كان له فيها اليد الطولى ، كابن الخطيب الرازي ، فإنه أعرض عن ذلك في كتابه المصنف في علم البيان ، فإنه لم يتعرض لهذه المباحث ، ولا شم منها رائحة ، ولكنه ذكر في صدر كتاب النهاية كلاما قليلا في وجه الإعجاز لا ينقع من غلّة ، ولا ينفع من علّة ، فإذا تمهد هذا فاعلم أن الذي يدل على إعجاز القرآن مسلكان .
المسلك الأول منهما من جهة التحدّى ،
وتقريره هو أنه عليه السلام تحدّى به العرب الذين هم النهاية في الفصاحة والبلاغة ، والغاية في الطلاقة والذّلاقة ، وهم قد عجزوا عن معارضته ، وكلما