تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

الضرب الثاني في بيان عطف الجمل بعضها على بعض

وما هذا حاله فهو كثير الدّور في كتاب الله تعالى ، ولا بدّ أن يكون بينهما نوع ملاءمة لأجله جاز عطف إحداها على الأخرى ، كقوله تعالى :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ النساء : 142 ] وقوله تعالى :
يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 )
[ النساء : 142 ] ونحو قوله تعالى :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[ الأعراف : 31 ] فأما قوله تعالى :
إِنَّهُ
« 1 »
لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 )
[ الأعراف : 31 ] فإنما ورد من غير ذكر الواو ، لما كان واردا على جهة التعليل ، فلهذا لم ترد فيه واو ، كقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ
[ الأنفال : 13 ] ومن هذا قوله تعالى :
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ( 4 )
[ الانفطار : 1 - 4 ] فهذه الأمور كلها عطف بعضها على بعض بجامع يجمعها ، وهو كونها من أمارات القيامة ، ومن هذا قوله تعالى :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ( 12 ) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ ( 13 ) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ
[ ق : 12 - 14 ] فإنما جاز العطف في هؤلاء بعضهم على بعض ، باعتبار أمر جامع ، وهو تكذيب الرسل وجحد ما جاءوا به من المعجزات الظاهرة ، فهم وإن اختلفوا وتباينوا فهم متفقون فيما ذكرناه ، وهكذا قوله تعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] إنما عطف أحدهما على الآخر باعتبار كونهما ضدين ، والضد ملازم لضده ، فهذا هو الذي سوغ العطف فيهما ، ولا تزال في تصفحك لآى التنزيل ، واستهلال أسراره تطلع على فوائد جمة ، ونكت غزيرة .
هامش
( 1 ) حرفت في الأصل إلى « إن الله » .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 175 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي