وقدمه ، لما يريد من تعديد نعمه وظهور قدرها ، وعلو أمرها على الخلق ، وإما من أجل تعظيمه كقوله تعالى :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[ البقرة : 258 ] إلى غير ذلك من الأمور المقتضية لتقديمه المؤذنة بأسرار تحت التقديم لا تكون مع التأخير ، ومما يوجب تقديمه على المسند به التخصيص ، والعموم ، فهاتان صورتان ، الصورة الأولى : العموم .
وهذا إنما يكون في نحو قولك : كل إنسان لم يقم ، فإنه يفيد نفى الحكم عن الجملة والآحاد ، بخلاف ما لو تأخر ، فقيل لم يقم كل إنسان ، فإنه إنما يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد ، لا عن كل فرد ، فالأول يناقضه قولك : قام واحد من الناس ، والثاني : لا يناقضه قام واحد من الناس ، والمعيار الصادق ، والفيصل الفارق ، بين تقديم المسند إليه وهو اسم الشمول على حرف النفي ، وبين تأخره ، ما قاله الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني ، فإنه قال : إن كانت كل داخلة في حيز النفي ، بأن تأخرت عن أداته ، نحو قوله « ما كل ما يتمنى المرء يدركه » أو معمولة للفعل المنفى نحو : ما جاء القوم كلهم ، ولم آخذ كل الدراهم ، أو كل الدراهم لم آخذ ، توجه النفي إلى الشمول خاصة ، وأفاد ثبوت الفعل ، أو الوصف ، لبعض ، أو تعلقه به ، وإلا عمّ ، كقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما قال له ذو اليدين : « أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ » ، فقال له : « كل ذلك لم يكن » « 1 » وعليه قول أبى النجم :
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى * عليّ ذنبا كلّه لم أصنع « 2 »
انتهى كلامه ، فينحل من هذه القاعدة أن اسم الشمول ، وهو « كلّ » إذا كان مندرجا في ضمن النفي ، واقعا بعده ، سواء كان الفعل المنفى عاملا فيه أو غير عامل ، فإنه يكون واقعا على الشمول ، فلا يناقضه إثباته لبعض الآحاد ، وإذا كان واقعا قبل حرف النفي وليس مندرجا تحته ، كان النفي عاما للآحاد والمجموع ، وهو أحسن كلام وأوقعه في ضبط هذه القاعدة ، ولقد وقفت على كلام لغيره من علماء البيان في تقرير هذه القاعدة ، بناه على قانون المنطق ، ونزّله على منهاج السالبة المهملة ، والمعدولة ، فأورث فيه دقة وأكسبه ذلك حموشة وغموضا ، من جهة أن مبنى علم البيان ، وعلم المعاني على معرفة اللغة وعلم الإعراب ، فلا ينبغي أن يمزج بعلم لم يخطر للعرب ، ولا لأحد من علماء الأدب على
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري كتاب الصلاة باب ( 88 ) ، ح ( 482 ) ، والأذان باب ( 69 ) ، ح ( 714 ) والمساجد والسهو والإيمان وأبو داود في باب الصلاة وكذلك النسائي .
( 2 ) انظر البيت في المصباح ص 228 ، 144 .