تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[ القصص : 73 ] إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه ، وقد أتينا على جميع أنواعه كلها ، وأوردنا لها شواهد وأمثلة . فأغنى عن التكرير والإعادة في ذلك .

دقيقة

اعلم أن هذه الأنواع الثلاثة أعنى علم المعاني والبيان وعلم البديع ، مآخذها مختلفة ، وكل واحد منها على حظ من علم البلاغة والفصاحة ، ولنضرب لها مثالا ليكون دالا عليها ومبينا لموقع كل واحد منها ، وهو أن تكون حبات من ذهب ودرر ولآلئ ويواقيت ، وغير ذلك من أنواع الأحجار النفيسة ، ثم إنها ألفت تأليفا بديعا بأن خلط بعضها ببعض وركبت تركيبا أنيقا ، ثم بعد ذلك التأليف ، تارة تجعل تاجا على الرأس ، ومرة طوقا في العنق ، ومرة بمنزلة القرط في الأذن ، فالألفاظ الرائقة بمنزلة الدرر واللآلي ، وهو علم المعاني ، وتأليفها وضم بعضها إلى بعض ، هو علم البيان ، ثم وضعها في المواضع اللائقة بها عند تأليفها وتركيبها ، هو علم البديع ، فوضع التاج على الرأس بعد إحكام تأليفه هو وضع له في موضعه ، ولو وضع في اليد أو الرجل ، لم يكن موضعا له ، وهكذا الكلام بعد إحكام تأليفه يقصد به مواضعه اللائقة به ، وما ذكرناه من المثال هو أقرب ما يكون في هذه العلوم الثلاثة وتمييز مواقعها ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن الآية قد اشتملت من علم البديع على أجناس ثلاثة : الجنس الأول منها ، الجناس اللاحق ، وهو أن تتفق الكلمتان في جميع حروفهما إلا في حرفين لا تقرب بينهما ، وهذا هو قوله تعالى :
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[ هود : 44 ] ، فقوله ابلعي وأقلعى ، جناس لاحق ، لا يختلفان إلا في القاف والباء ، وهما غير متقاربين ، كقولك سعيد ، بعيد ، وعابد ، عاتب ، فهذا كله يقال له جناس لاحق . الجنس الثاني الطباق المعنوي وهو قوله : « أقلعى وابلعي » لأن المعنى في بلع الأرض ، إنما هو إدخاله في جوفها ، وإقلاع السماء ، وهو إخراجه عنها ، وهذا تطبيق من جهة المعنى ، ومن جهة أن الإدخال والإخراج ضدان ، وهذا كقوله تعالى
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] لأن الرحمة هي لين القلوب وتعطفها ، وهو ضد الشدة . الجنس الثالث الاستطراد ، وهو توسيط كلام أجنبي بين كلامين متماثلين ، وهذا قوله