تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
أكل ، ولا نطق ولا استهل ، ومثل ذلك بطل » ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسجعا كسجع الكهان » « 1 » ، فأنكر السجع على من تكلم به ، وفي هذا دلالة على استكراهه . والجواب أنا نقول إنه لم ينكر السجع مطلقا ، وإنما أنكر سجعا مخصوصا وهو سجع الكهان ، لأن أكثر أخبارهم عن الأمور الكونية ، والأوهام الظنية ، على جهة السجع وتطابق أعجاز الألفاظ كما تراه يحكى عن شق وسطيح ، وغيرهما من الكهان ، والمختار قبوله ، ولو لم يكن جائزا في البلاغة لما أتى عليه أفصح الكلام وهو التنزيل ، ولما جاء في كلام سيد البشر وكلام أمير المؤمنين ، لأن هذه هي أعظم الكلام بلاغة وأدخلها في الفصاحة ، فلا يمكن ترك هذا الأسلوب من الكلام لقصة عارضة من جهة الرسول يمكن حملها على وجه لائق كما أشرنا إليه .

الفائدة الثانية في بيان شروطه

اعلم أن المقصود بالتسجيع في الكلام إنما هو اعتدال مقاطعه وجريه على أسلوب متفق ، لأن الاعتدال مقصد من مقاصد العقلاء يميل إليه الطبع وتتشوق إليه النفس ، لكنه لا يحسن كل الحسن ، ولا يصفو مشربه إلا باجتماع شرائط أربع :

الشريطة الأولى : ترجع إلى المفردات ،

وهي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة المذاق رطبة طنانة ، صافية على السماع حلوة طيبة رنانة ، تشتاق إلى سماعها الأنفس ، ويلذ سماعها على الآذان ، مجنبة عن الغثاثة والرداءة ، ونعنى بالغثاثة والرداءة أن الساجع يصرف نظره إلى مؤاخاة الأسجاع وتطابق الألفاظ ، ويهمل رعاية حلاوة اللفظ وجودة التركيب وحسنه ، فعند هذا تمسه الرداءة ، وتفارقه الحلاوة ويصير فيما جاء به بمنزلة من ينظم عقدا من خزف ملون ، أو ينقش بألوان الصباغ ثوبا من عهن ، فهذه الشريطة لا بدّ من مراعاتها ، وإلا وقع مهملها فيما ذكرناه .

الشريطة الثانية راجعة إلى التركيب ،

وهي أن تكون الألفاظ المسجوعة في تركّبها تابعة لمعناها ، ولا يكون المعنى فيها تابعا للألفاظ فتكون ظاهرة التمويه وباطنة التشويه ، ويصير مثاله كمثال عمد من ذهب على نصب من خشب ، أو كرة محلاة أو بعرة مذهبة مطلية ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 245 ، 249 ، بلفظ كسجع الأعراب .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 13 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي