نفارقك أبدا . قال : نعم ، وأنا على دين كسرى « 1 » . فضحك منه المهدي ، وأمر له بجائزة .
واطلع المهدي يوما على بعض جواريه ، وهي عريانة تغتسل ، فأحست به ، فضمت فخذيها ، وسترت متاعها بكفيها ، فلم يشملاه ، حتى انثنت فسترته بعكن « 2 » بطنها ، فخرج المهدي ضاحكا ، وبشّار في الدار ، فقال : أجز هذا البيت « 3 » :
أبصرت عيني لحينى « 4 »
فقال بشّار على البديهة « 5 » :
. . . . . . . . . . . . . . * منظرا وافق شيني « 6 »
سترته إذ رأتني * تحت بطن الرّاحتين
فبدت منه فضول * لم توار باليدين « 7 »
فانثنت حتّى توارت * بين طيّ العكنتين « 8 »
فقال المهديّ : واللّه ما أنت إلّا ساحر ، ولولا أنك أعمى لضربت عنقك ، ولقد حكيت الأمر على وجهه حتى كأنّك رأيته ، ولكني أعلم أن ذلك من فرط ذكائك ، وجودة فطنتك .
وكان بشار مولّى « 9 » لبني عقيل . وقال بعضهم : لبني سدوس ، وكان يلقب المرعّث . والمرعّث : المقرّط ، والرّعاث : القرط . وكان يرمى بالزندقة ، وهو القائل :
كيف يبكي لمحبس في طلول * من سيبكي لحبس يوم طويل « 10 »
هامش
( 1 ) دين كسرى : أي المجوسية التي تجيز أن يتزوّج الرجل البنات والأخوات .
( 2 ) العكن والأعكان : جمع عكنة . ما انطوى وتثنّى من لحم البطن .
( 3 ) أجز هذا البيت : الإجازة في الشعر هي أن يزيد الشاعر على كلام غيره بعد فراغه منه .
( 4 ) حيني ( بفتح الحاء ) : الحين : الهلاك وقوله لحيني أي لهلاكي .
( 5 ) على البديهة : أي ارتجالا دون طول تفكّر .
( 6 ) الشّين : العيب وشان ( ه ) ضد زانه .
( 7 ) الفضول : البقية - لم توار : لم تستر .
( 8 ) انثنت : انحنت .
( 9 ) المولى ( هنا ) : التابع أو النزيل بجوار قوم ، والولاء نوع من الحلف الذي كان ينشد فيه الأعجمي الحماية من العربي ، فالولاء هكذا ضرب من التبعيّة .
( 10 ) الطلول : ما تبقى من آثار الدار ، جمع طلل - اليوم الطويل ( هنا ) : يوم القيامة .