قال السدري : « 1 » كان عمّي بشار من أفقه الناس وأعلمهم بكتاب اللّه ، فعاشر قوما من الحرّانيّين « 2 » فخبث دينه « 3 » . وكان مفتنّا بارعا ، وكان من الشعر بمكان لم يكن به أحد غيره ، وكان يقول : ما أعلم شيئا مما عندي أقلّ من الشعر .
حدّثني ابن أبي أفلح قال : أخبرني أبو حاتم السجستاني « 4 » قال : سئل أبو عبيدة « 5 » وأنا حاضر عن شعر بشّار فقال : شذرة ونقرة « 6 » .
قال : ودخل المهديّ أيام خلافته على جماعة من جواريه ، وهنّ مجتمعات في حجرة بعضهنّ ، فجلس عندهن يشرب ، فقلن له : لو أذنت لبشّار في الدخول علينا لنسامره ونحادثه وكان من أحسن الناس حديثا ، وأظرفهم مجلسا ، وأكثرهم ملحا « 7 » فأمر به فأحضر .
واجتمعن عليه فحدّثهن ، وجعل يسرد عليهن من نوادره وملحه ، وينشدهن عيون شعره « 8 » ، فسررن بذلك سرورا شديدا ، وقلن له : يا بشّار ، ليتك أبونا فلا
هامش
( 1 ) السدرى : وفي رواية السدى .
( 2 ) الحرانيّون : نسبة إلى حرّان وهي كما جاء في معجم البلدان لياقوت ( 2 / 271 ) مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور ، وهي قصبة ديار مضر ، بينها وبين الرّها يوم وبين الرقّة يومان . وهي على طريق الموصل والشام والروم . بناها - كما قيل - أخو إبراهيم عليه السلام بهاران وعرّبت فقيل حرّان . ويروى أنها أول مدينة بنيت بعد طوفان نوح . وفي حرّان منازل الصّابئة وهم الحرّانيّون الذين ورد ذكرهم في كتب الملل والنّحل . وجاء في الروض المعطار ( 191 ) ، أن الحرّانيين يستقبلون الكعبة في صلاتهم كما يفعل المسلمون ، وهم من ولد صاب بن طاط بن خنوخ وكان صاب هذا حكيما وفيلسوفا وعالما بالنجوم وهو أول من نزل بابل واتخذ بها هيكلا .
وقد فتحت حرّان زمن الخليفة عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه على يد عياض بن غنم ، وتجدر الإشارة أن حرّان هذه غير حرّان القرية بغوطة دمشق .
( 3 ) خبث دينه : أي فسد ، وخبث ضد طاب ، وفي رواية : مخنث دينه في موضع فخبث ، أي انحرف من جادّة الحق إلى الباطل .
( 4 ) أبو حاتم السجستانيّ : هو من تلامذة الأصمعيّ وأبي عبيدة وهو أحد علماء المدرسة البصريّة .
كانت وفاته سنة 250 ه / 864 م ) ومن آثاره « كتاب النخل » ، وكتاب « الليل والنّهار » .
( 5 ) أبو عبيدة : هو معمر بن المثنى التميمي ، ولد في البصرة سنة 110 ه ( 728 م ) . من شيوخه أبو عمر بن العلاء ويونس بن حبيب . كان ضليعا بأخبار العرب وأشعارهم لكنّه كان ذا نزعة شعوبيّة جعلته يحمل على العرب . من آثاره كتاب « المثالب » .
( 6 ) قول السجستاني : شعر بشّار شذرة ونقرة امتداح له وهو يعني أنه مزيج من ذهب وفضة فالشذرة القطعة من الذهب تلقط من معدنه ، والنقرة القطعة المذابة من الفضّة أو الذّهب .
( 7 ) الملح : جمع ملحة وهي ما لذّ من الحديث واستملح .
( 8 ) عيون الشّعر : أي البديع والصافي من الشعر . وفي رواية : أبانا بلغة كنانة التي تلزم الألف في المثنى والأسماء الخمسة .