وحدّثني إبراهيم بن منصور النحوي قال : حدّثني ابن أبي العلاء قال :
فاخر رجل من الجلّة « 1 » يوما ابن يسير فقال له الرجل : يا هذا ، أتفاخرني وقد ركب جدّي إلى الصيد في أربعة آلاف جارية ، على أربعة آلاف برذون أشهب ، على يد كلّ جارية بازيّ أبيض يصطاد الطواويس من أفرخة « 2 » الزعفران ؟ قال ابن يسير :
ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
.
فحمله الرجل على برذون أشهب فاره ، وأمر له بجارية حسنة ، وكساه ثوب خزّ طاوسيّ ، وحمّله معه سلّة زعفران . ثم قال : إن كان ما قلته باطلا فما فعلته حق . قال ابن يسير : ما قلت أيضا حقّ .
ومما يستحسن لابن يسير وسار له في العرب والعجم قوله :
لولا البنيّة لم أجزع من العدم * ولم أجب في الليالي حندس الظّلم « 3 »
وزادني رغبة في العيش معرفتي * ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم
أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ * وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
إذا تذكّرت بنتي حين تندبني * جرت لعبرة بنتي عبرتي بدم « 4 »
تهوى بقائي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزّال على الحرم
وهذه ألفاظ كما سمعت في عذوبة الماء الزلال ، ومعان أرقّ من السحر الحلال .
ومما يستحسن له قوله :
تخلّى بهمّ في الفؤاد دخيل * وأقلقه عزم النّوى برحيل
وأبدى له وجه المنيّة بغتة * صدود حبيب وانحراف خليل « 5 »
وساوره سقم وأسهره هوى * وروحة واش وابتكار عذول « 6 »
وأسلمه صبر وبان عزاؤه * فصودف حيّا في عيان قتيل
هامش
( 1 ) الجلّة : السادة العظام .
( 2 ) الأفرخة : جمع فرخ وهو ولد الطائر وكل صغير من النبات أو الحيوان .
( 3 ) لم أجب : لم أقطع - الحندس : الظلمة أو الليل الشديد الظلام .
( 4 ) تندبني : تبكيني - العبرة : الدمعة .
( 5 ) الصدود : الهجران والقطيعة - الانحراف : الاجتناب والتباعد - الخليل : الصاحب .
( 6 ) السقم : المرض - الواشي : العدو النمّام - العذول : اللائم .