فأطيب منه صافية شمول * يطوف بكأسها ساق لبيب « 1 »
أعاذلتي خلا رشدي قديما * فشقّي الآن جيبك لا أتوب « 2 »
فذاك العيش لا شجر البوادي * وذاك العيش لا اللّبن الحليب
فأين البدو من إيوان كسرى * وأين من الميادين الزّروب « 3 »
تعيّرني الذّنوب ، وأيّ حرّ * من الفتيان ليس له ذنوب
وممّا ذكر من خصال أبي نواس المحمودة ، ما حدّثني به أحمد بن أبي عامر قال :
حدّثني سلمان شحطة قال :
كان أبو نواس عالما فقيها ، عارفا بالأحكام والفتيا ، بصيرا بالاختلاف ، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث ، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وقد تأدّب بالبصرة ، وهي يومئذ أكثر بلاد اللّه علما وفقها وأدبا ، وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين .
وحدّثني محمد بن أحمد القصار قال : حدّثني يوسف بن الداية قال :
قال لي أبو نواس : أحفظ سبعمائة أرجوزة ، وهي عزيزة في أيدي الناس ، سوى المشهورة عندهم ، وكان لزم بعد والبة بن الحباب خلفا الأحمر ، وكان خلف نسيج وحده في الشعر ، فلما فرغ أبو نواس من إحكام هذه الفنون تفرغ للنوادر والمجون والملح ، فحفظ منها شيئا كثيرا حتى صار أغزر الناس ، ثم أخذ في قول الشعر ، فبرّز على أقرانه ، وبرع على أهل زمانه . ثم اتصل بالوزراء والأشراف ، فجالسهم وعاشرهم ، فتعلم منهم الظّرف والنّظافة . فصار مثلا في الناس ، وأحبه الخاصة والعامة ، وكان يهرب من الخلفاء والملوك بجهده « ويلام » على ذلك فيقول : إنما يصبر على مجالسة هؤلاء الفحول « 4 » المنقطعون ، الذين لا ينبعثون ولا ينطقون إلا بأمرهم ، واللّه لكأني على النّار إذا دخلت عليهم ، حتى أنصرف إلى إخواني ومن أشاربه ، لأني إذا كنت عندهم فلا أملك من أمري شيئا .
وحدّثني إسماعيل بن حرب قال : أخبرني سعد بن خزيم قال :
قال جعفر البرمكي لسعيد بن وهب : أين تأدّب أبو نواس ؟ قال : ببلد البصرة .
هامش
( 1 ) الشّمول : الخمر .
( 2 ) العاذلة : اللائمة .
( 3 ) الميادين : جمع ميدان وهو الساحة الكبيرة - الزروب : جمع الزرب وهو موضع المواشي .
( 4 ) الفحول : جمع فحل وهو الذكر الكريم المنجب والفحول من الشعراء أو الناس المفضّلون .