( 23 ) أخبار أبي الخطّاب البهدليّ
حدّثني أبو غانم قال : حدّثني موسى بن سعيد بن مسلم عن أبيه قال :
كان موسى الهادي لا يأذن لأحد من الشعراء مدة أيام خلافته ، ولا يرغب في الشعر ، ولا يلتفت إليه ، وقد انهمك في الشرب والقصف « 1 » ، وكان مشغوفا بالسماع « 2 » .
فلما قال أبو الخطاب البهدلي رائيّته سألني فأوصلتها إليه ، فلما سمعها أعجب بها شديدا وقال للحاجب : اخرج إلى الباب فمر من ينادي : أين نسّابة الأسد ؟ ففعل . فلما سمع أبو الخطاب ذلك علم أن شعره قد وصل وعمل عمله - والشعراء مجتمعون - فقال : ها أنا ذا . وأخذ الحاجب بيده وأدخله البيت . فقال :
هات أنشدنا ، فأنشده قصيدته الرائية ، فاستحسنها موسى وأعجب بها ، وأمر في ذلك اليوم ألا يحجب عنه شاعر ، وأن يعلموا أن أبا الخطاب كان السبب في ذلك .
وأمر لأبي الخطاب بألف دينار وكساه وحمّله . والقصيدة مشهورة وهي هذه :
ما ذا يهيجك من دار بمحنية * كالبرد غيّر منها الجدّة العصر « 3 »
عفت معارفها ريح تنسّفها * حتى كأنّ بقايا رسمها سطر
أزرى بجدّتها بعدي وغيّرها * هوج الرّياح التي تغدو وتبتكر « 4 »
دار لواضحة الخدّين ناعمة * غرثى الوشاح لها في دلّها خفر « 5 »
هامش
( 1 ) القصف : الإقامة في اللهو والأكل والشرب .
( 2 ) السّماع : الغناء .
( 3 ) البرد : الثوب الموشّى - الجدّة : جدّة الشيء كونه جديدا - العصر : العصور ، جمع عصر .
( 4 ) أزرى بجدّتها : عابها واستخفّ بها وجعلها تحتقر .
( 5 ) غرثى الوشاح : كناية عن أنّها رقيقة الخصر ، هيفاء الجسم - الدلّ : الدلال - الخفر : الحياء .