بأربعمائة ناقة وقال له : قل الآن مثل شعرك الذي تقول فيه ، فقال :
كنت امرأ أرمي الزوائل مرّة * فأصبحت قد ودّعت رمى الزوائل « 1 »
وعطّلت قوس اللهو من شرعاتها * وصارت سهامي بين رثّ وناصل « 2 »
إذا حلّ أهلي بالجناب وأهلها * بمنعرج العلّان من ذي أذابل « 3 »
فقل : خلّة ضنّت عليك بوصلها * تقطّع منها باقيات الوصائل « 4 »
يمنّونني منك الوصال وقد أرى * بأنّي لا ألقاك من دون قابل « 5 »
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها * وأدمعها يذرين حشو المكاحل « 6 »
تمتّع بذا اليوم القصير فإنه * رهين بأيّام الشهور الأطاول
وكان ابن ميادة جيد الغزل ، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء ، وكان مطبوعا ، وهو الذي يقول :
كأنّ فؤادي في يد علقت به * محاذرة أن يقضب الحبل قاضبة « 7 »
وأشفق من وشك الفراق وإنني * أظنّ لمحمول عليه فراكبه
فو اللّه ما أدري : أيغلبني الهوى * إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه « 8 »
فإن أستطع أغلب وما يغلب الهوى * فمثل الذي لا لاقيت صاحبه « 9 »
فهذه معان وألفاظ يعجز عنها أكثر الشعراء ، فإنه قد جمع إلى اقتدار الأعراب وفصاحتهم محاسن المحدثين وملحهم ، وهو القائل :
أقول لركب قافلين رأيتهم * ببئر سليم من صراد وأسجع « 10 »
هامش
( 1 ) الزّوائل : النساء ، من باب التشبيه بالوحش ، ويقال : فلان يرمى الزوائل إذال كان طبّا باستمالة النساء إليه ، وفي رواية : الزوامل .
( 2 ) قوله : عطلت قوس اللهو أي ترك سيرة العبث والمجون - الشرعات : الأوتار - السهم الناصل : الذي خرج منه النّصل ، والرثّ : البالي .
( 3 ) الجناب ومنعرج العلان وذو أذابل : مواضع .
( 4 ) ضنّت عليك : بخلت - وفي رواية : ظنّت - الوصل : الوصال .
( 5 ) يمنّوني : وفي رواية : يموتني وهو تحريف .
( 6 ) يذرين : يذرفن - حشو المكاحل : ما في المكاحل جمع مكحلة وهي وعاء الكحل .
( 7 ) أن يقضب : أن يقطع .
( 8 ) البين : الفراق .
( 9 ) ما يغلب : وفي رواية : وإن يغلب .
( 10 ) قافلين : راجعين - بئر سليم : موضع .