وتماحل « 1 » هو والمصدق « 2 » في ذلك . وكتب ابن ميادة إلى الوليد يعلمه ذلك ، وضمّن كتابه هذين البيتين :
ألم يبلغك أن الحيّ كلبا * أرادوا في عطيّتك ارتدادا
أرادوني بها لونين شتّى * وقد أعطيتها دهما جعادا « 3 »
فكتب الوليد إلى المصدق يتوعده ويأمره أن يسلمها إليه - كما أمر - برعاتها وأدواتها . فأقبل يسوقها حتى أقبل بها على حيّه .
واسمه الرّمّاح بن أبرد « 4 » ، وميّادة أمّه ، وكانت أمّ ولد ، وهو من بني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان . وكان ابن ميادة يضرب أمّه في صباه ويقول :
اعرنزمي ميّاد للقوافي « 5 »
يريد أنه سيهجو الناس فيهجونه ويذكرون أمّه .
وأبوه من ولد ظالم بن الحارث بن ظالم المرّي . وهو القائل يفتخر بذلك :
سقتني سقاة المجد من آل ظالم * بأرشية أطرافها في الكواكب « 6 »
وبقي ابن ميادة حتى أدرك أيام بني العبّاس . وقد مرّ على جعفر بن سليمان بن علي وهو « والي » البصرة فأنشد :
يا جعفر الخيرات يا جعفر * ليتك لا تنعى ولا تقبر
فلما رأى جعفر ركاكة هذا الشعر وخفّته قال : يا رماح ، قال : لبيك أيها الأمير .
قال : أتمدح الوليد بن يزيد الفاسق بمثل ذلك الشعر وتمدحني بمثل هذا ؟ قال : أيها الأمير إن مدح الشاعر على قدر العطية ، وما عليّ من فسق الوليد وقد أعطاني أربعمائة ناقة برعاتها وعبيدها وآلاتها ؟ واللّه لا قلت أبدا إنه فاسق ولو ضربت عنقي فإن إحسانه يمنعني عن ذلك .
فأعجبه ما رأى من شكره ووفائه للرجل بعد الموت وذهاب الدولة ، فأمر له
هامش
( 1 ) تماحل القوم : محل بعضهم بعضا أي كايد وماكر بعضهم بعضا والمماحلة أيضا المجادلة .
( 2 ) المصدق : جامع الزكاة وأموال الصدقات .
( 3 ) الدهم : السوداء - الجعاد : جمع جعد وهو من الشعر خلاف المسترسل كما ذكر آنفا .
( 4 ) وفي المختصر : واسمه الرمّاح بن يزيد بن الأبرد بن ثريان من مرّة بن غطفان وميّادة أمه .
( 5 ) اعرنزم : تجمّع - القوافي : كناية عن القصائد والأشعار .
( 6 ) الأرشيّة : الحبال ، جمع رشأ .