عذت باللّه اللطيف بنا * أن يكون الجور من قدره
- عليه لعنة اللّه إن كان قالها - فقال له الرشيد - أنت القائل هذه الأبيات ؟
قال : لا واللّه يا أمير المؤمنين ما أشركت باللّه طرفة عين ، ولا تسفك دمي على الشّبهة « 1 » ، فقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله : « ادرءوا « 2 » الحدود بالشّبهات ما استطعتم » وأخذ يرقق قلبه ، ويستنزله عما عزم عليه بفصاحته وبيانه ، ويتلو القرآن ، حتى رقّ له وأمر بتخلية سبيله ، فلما أراد أن يخرج من بين يديه قال : أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى إذا بلغ قوله :
والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه
قال : يا شيخ ، هذا الكلام يشبه هذا الكلام ، وهذا الشعر من نمط ذلك الشعر - يعني الأبيات التي نسبت إليه - ونحن نتمثّل « 3 » وصيّتك ، ثم أمر فضربت عنقه وصلب على الجسر .
وحدّثني أبو جعفر قال : حدّثني زياد بن أحمد قال : اجتمع قوم من أهل الأدب في مجلس فيهم صالح بن عبد القدوس ، يتناشدون الأشعار ، إلى أن حانت الصلاة ، فقام القوم إلى ذلك ، وقام صالح فتوضأ وأحسن ثم صلّى أتم صلاة وأحسنها ، فقال بعضهم : أتصلي هذه الصلاة ومذهبك ما تذكر ؟ فقال : إنما هو رسم البلد ، وعادة الجسد .
واللّه أعلم بتحقيق ذلك .
أما الرجل فله في الزهد في الدنيا ، والترغيب في الجنة ، والحث على طاعة اللّه عزّ وجلّ ، والأمر بمحاسن الأخلاق ، وذكر الموت والقبر ، ما ليس لأحد .
وكان شعره كله أمثالا وحكما . فمما يستحسن له قوله :
تأوّبني همّ فبتّ أخاطبه * وبتّ أراعي النجم ، ثم أراقبه « 4 »
لما رابني من ريب دهر أضرّني * فأنيابه يبرينني ومخالبه
وأسهرني طول التفكّر ، إنني * عجبت لدهر ما تقضّى عجائبه
هامش
( 1 ) الشبهة : الظن وعدم اليقين .
( 2 ) ادرءوا الحدود : من درأ يدرأ أي دفع .
( 3 ) تتمثّل وصيتك : تتخذها مثلا ، نحتذيها .
( 4 ) تأوّبني : عاودني .