تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صرف العين — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ثمّ قال قاضى القضاة : ولمّا انتهيت إلى هنا ، وتأمّلت بيت الحريري خطر لي أنّ قوله : « بلا عينين » لا يعطيه مراده ؛ فإنّ مراده أنّ كل واحد من العينين فات عليه ، وتسليط حرف السلب على المثنى لا يقتضى ذلك ، بل يفهم عكسه ، فإنّ قولك : « لا عينان » ، أي : موجودان ، لا يقتضى بوضعه انتفاء كل منهما ، بل انتفاءهما / الذي هو أعمّ من وجود أحدهما ، وكذلك قولك : « لم أر رجلين » صادق ، وإن رأيت أحدهما ، وهذا واضح ، فلو قال : جاد بالعين ، فانثنى بلا عينين صحّ ، ولو قال : « 194 »
جاد بالعين من غدير دموع * ونضار ، وظلّ لا عين عنده
لأدّى ما أراد ، وصحّ ، ولم يكن ثنّى لفظ « العين » ، لكنّه ثنّى لفظ العين ؛ فأوجب أن تلحّنه الطائفة المانعة من تثنية المشترك ، ولم يحصل على مراده ؛ لما بيّنّاه من أنّ نفى المثنى لا يستلزم نفى المفرد . ثمّ قال : وبحث ثان ، وهو أنّ النفي إنّما يرد على ما يصحّ ثبوته ، والذي يصحّ ثبوته « عين » من نوع واحد ، إلّا عند من يستعمل المشترك في معنييه ، فلو قال : « بلا عين » لم يكن المنفى إلّا أفراد عين واحدة ، أي : نوع واحد من مسمّى اللفظ المشترك الذي هو « العين » ، وإذا تمّ هذا البحث لم يؤدّ مراد الحريري لا قوله : « بلا عين » ، ولا قوله : « بلا عينين » ، وهذا الذي ذكره الرّادّون على من جوّز استعمال المشترك في معنييه ، في النفي دون الإثبات ، وبهذا يظهر أنّ قول القاضي الفاضل :
رجل توكّل لي ، وأكحلنى * ففجعت في عيني ، وفي عيني
لا غبار عليه ، لا في اللفظ ، ولا في المعنى . . . انتهى . ثمّ إنّه - أدام اللّه فوائده - كتب إلىّ بعد ذلك ، في معنى بيت الحريري :
هامش
( 194 ) التخريج : لم أجد البيت في مصدر آخر . النص : البيت من الخفيف ، والقافية من المتواتر .