أستريح إليه استراحة المكروب ، وأجد به ما يوجد بالولد السارّ المحبوب ، ولقد كنت أستمدّ منه رأيا أقوّم به أود المملكة ، وأصل به إلى رضاء اللّه في سياسة الرعية ، وآخر ما قال لي عند وداعه أن قال : يا أمير المؤمنين إذا استقشّ « 1 » ما بينك وبين اللّه تعالى فابلله ، قلت : بما ذا يا صاحب الخير ؟
قال : بالاقتداء به في الإحسان إلى عباده ، فإنه يحبّ الإحسان إلى عباده ، كما تحبّ الإحسان إلى ولدك من حاشيتك ، واللّه ما أعطاك [ اللّه ] القدرة عليهم إلّا لتصرّ على إحسانك إليهم بالشكر على حسناتهم ، والتغمد « 2 » لسيئاتهم ، وأيّ شيء أوجه لك عند ربك من أن تكون أيامك أيام عدل « 3 » وإنصاف ، وإحسان ، وإسعاف ، ورأفة ، ورحمة ، من لي يا يحيى بمثل هذا القائل ، وأنّى لي بمن يذكّرني بما أنا إليه صائر .
[ كلام لعروة بن الزبير ]
لمّا وقع الاختلاف بالمدينة خرج عروة بن الزّبير « 4 » إلى العقيق ، واعتزل الناس ، فعاتبه إخوانه فقال : رأيت ألسنتهم لاغية ، وأسماعهم صاغية ، وقلوبهم لاهية ، فخفت أن تلحقني منهم الداهية ، وكان لي فيما هنالك عنهم عافية .
[ وجها الصديق ]
قال سويد الصّامت « 5 » :
الا ربّ من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفري « 6 »
هامش
( 1 ) ج ق - استشن . قشّ النبات : يبس .
( 2 ) غمّده وتغمّده : ستر ما كان ، تغمده اللّه برحمته : غمره بها تغمّد الإناء : ملأه .
( 3 ) ج ق - أن يكون إمامك إمام عدل .
( 4 ) هو عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، كان عالما بالدين ، صالحا كريما توفي سنة 93 ه .
( 5 ) هو سويد بن الصامت بن حارثة بن عدي الأنصاري ، شاعر من أهل المدينة ، اشتهر في الجاهلية وأدرك الإسلام ، قتل قبل الهجرة .
( 6 ) الفري : الكذب والاختلاق والمبالغة في النكاية .