[ بين العفو والكفاية ]
قال يحيى بن معاذ : وا شوقاه إلى حبيب إذا غضب عفا ، وإذا رضي كفى .
قلت لأبي سليمان « 1 » : هل يلاث « 2 » ما بين الصديقين ، وهل يفضيان إلى هجر ، وهل يفزعان « 3 » إلى عتب ؟ فقال : أما ما دامت الصداقة قاصرة عن درجتها القاصية ، فقد يعرض هذا كلّه « 4 » بينهما ، لكنهما يرجعان فيه إلى أسّ المودّة ، وإلى شرائط المروءة ، وإلى ما لا يهتك سجف الفتوّة ، وأما الهجر فإن حدث حدث جميلا ، ولا مستمر لحوافز « 5 » الشوق إلى المعهود ، ومحرّكات النفس إلى التلاقي ، وأمّا العتب فربما أصلح وردّ الفائت ، وشعب الصّدع « 6 » ، ولم الشّعث « 7 » ، والإكثار منه ربما عرض بالحقد ، وأحدث نوعا من النّبوّ « 8 » ، وقد قيل : وما صافيت من لا تعاتبه ، وربما كان العود إلى الصفاء بعد هذا الكدر فوق ما عهداه في الأول . وقال الأول :
أناس أمنّاهم فنموا حديثنا * فلمّا كتمنا السّرّ عنهم تقوّلوا
هامش
( 1 ) هو أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني من أعاظم علماء المنطق في عصره ومصنّف كتاب ( صوان الحكمة ) ، وكان أستاذ التوحيدي ، وكان العلماء يجتمعون في منزل أبي سليمان للمناظرة والبحث ، وقد استطاع التوحيدي أن يؤلف من هذه المناظرات والمحاورات كتاب ( المقابسات ) ، مات السجستاني بعد سنة 391 ه .
( 2 ) ج ق م - يلات . لوّث الأمر : لبّسه .
( 3 ) ج ق م - تفرغان .
( 4 ) ج ق - يعرض سوء .
( 5 ) ج ق - خوافر .
( 6 ) شعب : ( من الأضداد ) شعب الشيء : جمعه وفرقه ، وأصلحه وأفسده . الصدع : الشق بين شيئين ، وشعب الصدع : جمعه بعد تفريق .
( 7 ) الشعث : انتشار الأمر وخلله ، ولم شعثهم أي جمع أمرهم .
( 8 ) ج ق - النبوة .