وقبل كل شيء ينبغي أن نثق بأنه لا صديق ، ولا من يتشبّه بالصّديق ،
[ جميل بن مرة ]
ولذلك قال جميل بن مرة في الزمان الأول حين كان الدين يعانق بالإخلاص « 1 » ، والمروءة تتهادى بين الناس ، وقد لزم قعر البيت ، ورفض المجالس ، واعتزل الخاصة والعامة ، وعوتب في ذلك فقال : لقد صحبت الناس أربعين سنة فما رأيتهم غفروا لي ذنبا ، ولا ستروا لي عيبا ، ولا حفظوا لي غيبا ، ولا أقالوا لي عثرة « 2 » ، ولا رحموا لي عبرة ، ولا قبلوا مني عذرة « 3 » ، ولا فكّوني من أسرة ، ولا جبروا مني كسرة ، ولا بذلوا لي نصرة ، ورأيت الشغل بهم تضييعا للحياة ، وتباعدا من اللّه تعالى ، وتجرّعا للغيظ مع الساعات ، وتسليطا للهوى في الهنات بعد الهنات ، ولذلك قال الثوري لرجل قال له أوصني قال : أنكر من تعرفه ، قال : زدني ، قال :
لا مزيد .
[ ابن كعب ]
وكان ابن كعب يقول : لا خير في مخالطة الناس ، ولا فائدة في القرب منهم ، والثقة بهم والاعتماد عليهم ، ولذلك قال الأول :
إخاء الناس ممتزج * وأكبر فعلهم سمج
فإن بدهتك مقطعة * فما لذنبهم فرج « 4 »
فقوّمهم بهجرهم * فإن لم يهجروا اعتوجوا
صروف الدهر دانية * تقطّع بينها المهج
[ الصابي وإخوان الزمان ]
وأنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الكاتب الصابي « 5 » في إخوان الزمان لنفسه :
هامش
( 1 ) ج م - كان الذين عرفوا .
( 2 ) ج م - أقالوا بي .
( 3 ) ج م - معذرة .
( 4 ) ج م - لدنيئهم .
( 5 ) هو إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون ، أحد نوابغ الأدب والترسّل في القرن الرابع