تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
بإشبيليّة بالموضع الذي يباع فيه الجير والجبس ، فلقي هناك جارية من أحسن الناس وأقلّهم حياء . فأقبل ابن عبّاد على ابن عمار ، وقال : يا بن عمار الجيارين ، فقال ابن عمّار : يا مولاي والجبّاسين ، فعلم من حضر أنهما لم يريدا أن يعرّف كلّ واحد منهما صاحبه بما ذكر ، فبحثوا عن مرادهما ، فلم يعرفوه ، فسألوا : ابن عمّار ، فقال له ابن عباد : لاتبعها منهم إلا غالية . ثم إن ابن عمار أخبرهم أنّ ابن عبّاد أعجبه حسن الجارية ، وعابها بقلة الحياء ، فصحّف « الجيارين » ، فجاء منه « الحيازين » وصحّفت أنا « الجباسين » ، فجاء منه « الخناشين » ، فاستغربوا حضور أذهانهما وحسن كنايتهما . أين هذه الأذهان من رجل مغفّل ، كان له ابن يسمّى حسنا مسافرا ، فاستفتح المصحف يتفاءل له في القدوم ، فخرج له « وحسن مآب » ، فترك التيامن بهذا اللفظ لمآب الفتى سالما ، وقال : تصحيف « حسن مآب » : « حسن مات » ، فاستدعى أمّ الفتى وخدمه ، ونعاه لهنّ فأقمن مناحة ، وجاء الجيران والقرابة يتطلعون حادثتهم ، فهو يخبرهم بما تصحّف له ، والفتى داخل قد أقبل في أغبط حال وأسرّها ، فاستحمق وصار مثلا . * * * قوله : « أسند » أضفه إليك وقرّبه منك . نباهة : رفعة . أبن : باعد . دنس : عيب . يقول : صاحب من يشرّفك بذكره الجميل ، وباعد من يدنس عرضك وتعاب به . * * *

[ مما قيل في الصديق ]

وقد قيل : الصاحب رقعة في الثوب ، فلينظر الإنسان ما يرقّع به ثوبه . قال ابن رشيق : [ المنسرح ]
اصحب ذوي القدر واستعدّ بهم * وعدّ عن كلّ ساقط سفله فصاحب المرء شاهد ثقة * يقضي به غائبا عليه وله ورقعة الثّوب حين تلبسه * شهرته أو تكون مشتكله
وفي الحديث : « الأنفس أجناد مجنّدة ، وإنها لتشامّ في الهوى كما تشامّ الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 1 » . ونظم هذا الحديث أبو نواس فقال : [ البسيط ]
إنّ القلوب لأجناد مجنّدة * للّه في الأرض بالأهواء تعترف « 2 »
هامش
( 1 ) أخرجه بلفظ : « الأرواح جنود مجندة » : البخاري في الأنبياء باب 2 ، ومسلم في البر حديث 159 ، 160 ، وأبو داود في الأدب باب 16 ، وأحمد في المسند 2 / 295 ، 527 ، 537 . ( 2 ) البيتان في ديوان أبي نواس ص 408 .