تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
فلمّا عثر على افتضاحنا ، ونضوب ضحضاحنا ، قال : يا قوم إنّ من العناء العظيم ، استيلاد العقيم ، والاستشفاء بالسّقيم ، وفوق كلّ ذي علم عليم . ثمّ أقبل عليّ ، وقال : سأنوب منابك ، وأكفيك ما نابك ؛ فإن شئت أن تنثر ، ولا تعثر ، فقل مخاطبا لمن ذمّ البخل ، وأكثر العذل : لذ بكلّ مؤمّل ، إذا لم وملك بذل وإن أحببت أنّ تنظم ، فقل للّذي تعظم : [ مجزوء الرجز ]
أس أرملا إذا عرا * وارع إذا المرء أسا أسند أخا نباهة * ابن إخاء دنّسا اسل جناب غاشم * مشاغب إن جلسا أسر إذا هبّ مرا * وارم به إذا رسا اسكن تقوّ فعسى * يسعف وقت نكسا
* * * عثر : اطّلع . افتضاحنا : اشتهارنا بالعجز . نضوب ضحضاحنا : جفوف مائنا القليل . الاستيلاد : طلب الولد ، يقول : إنّ من تعب النفس طلب فائدة من ذهن كليل وقريحة جامدة . نابك : نزل بك . تنثر : تقول نثرا . لذ : استتر به والجأ إليه . مؤمّل : مرجوّ لفعل الخير . لم : جمع المال . بذل : تكرّم على غيره ، وهذا اللفظ من المعكوس في النثر بديع ، فما ظنك بهذا النظم الرفيع الذي أردفه عليه ، فإنه من أشرف حسناته ، رحمه اللّه ! . قوله : « أس » أعط ، والأوس : العطيّة . أرملا : فقيرا أفنى زاده . عرا : قصد . ارع : احفظ الصحبة . أسا : أتى بسوء ، وأصله الهمز أساء فسهّل الهمزة ، يقول : إن قصدك فقير فصله ، وإن أخطأ عليك صاحب فلا تقطعه ، وارع حقّ الصحبة ، ويقال : المرء بالهمز ، والمر بلا همز ، وبترك الهمز يستقيم الانعكاس في بيت الحريري ، ويقال : المرة ، قال دعبل : [ البسيط ]
واحفظ عشيرتك الأدنين إنّ لهم * حقّا يفرّق بين الزّوج والمرة « 1 »
وهذا البيت الذي فسرناه وما بعده من الأبيات تقرؤه إن شئت من أوّله ، وإن شئت من آخره . وجعل هذا النّمط في عكس الحروف توطئة لما يذكر في المقامة بعد هذا في الرسالة القهقرية ، من عكس ألفاظها ، من أوّلها إلى آخرها إلا أنّ ذلك العكس بالألفاظ وهذا بالحروف ، وكلاهما غاية في بابه ، وإنما يذكر الأدباء هذا استملاحا في كلامهم ، وامتحانا لخواطرهم . * * *
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه دعبل الخزاعي ص 47 .