تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥

[ أمثلة من التصحيف وقلب الكلام ]

ونريد أن نذكر هنا فصلا مما يوافقه أو يقاربه على ما شرطناه ؛ فمن ذلك أن بعض الأدباء اتّهم صاحبا له بسعاية في جانبه فكتب إليه في المجلس : ساءك نم ، فنظره الذي وشى به ، فكتب إليه : صحّفه واقلب ، فهو واللّه ما نطق به على لسانك ، من بغيك وعدوانك ، وهو مقلوب مصحف : منك أتيت ، فتضاحكا وتصافيا . وكتب بعضهم إلى خازن السلطان : [ السريع ]
قد أقبل الشهر وإقباله * يأتي بما أجرى ترتيبه فوجه البرّ ومقلوبه * يجزيك عن برّك مقلوبه
وكتب بعض الظرفاء إلى صاحب له وهو مقلوب مصحّف : ظبي سراب خشن . فإذا قرأته على الولاء من آخره بعد القلب والتصحيف جاء منه : حسن شراب طيّب . ومن أنواع المعميّات التّصحيف ، ومثاله : أنّ إبراهيم بن المهدي كتب إلى إسحاق الموصليّ : لا يرتج مثل الأسنّة ، فكتب إليه إسحاق . لا يرث جميل إلا بثينة . وقال أبو الجهم بن الأنباريّ للحسن بن وهب : ما تصحيف : كلني بيمينك فبعني بحبّتين ، فقال : كل شيء منك في عيني حسن . وغاب صديق عن صديق له ، فلمّا لقيه قال له : عنّ تعبي ، فجاوبه : زرعنا يزداد حبا ، فالأول قال : غبت عنّي ، والثاني قال : زر غبّا تزداد حبّا . وذكر في بعض مجالس الأدب التصحيف ، فقال فتى شابّ : أنا ابن بجدته ، فقال بعضهم : ما تصحيف : نصحت فحشي ، فقال : تصحيف حسن ، فاستغرب إسراعه ، فاتهمه شاعر من بلنسية ، فقال : ما تصحيف بلنسية ؟ فأطرق ساعة ، ثم قال : أربعة أشهر ، فقال له البلنسيّ : صدق ظنّي إنك تنتحل ما تقول ويحك ! والفتى يضحك ، فقال له : اشعر ، فإنك شاعر ، فقال : وأي نسبة بين أربعة أشهر وبلنسية ؟ فقام وهو يقول : هو ذاك ؛ ثم تنبّه بعد انصراف الفتى بعض من حضر ، فنظر فإذا أربعة أشهر ثلاث سنة ، وهو تصحيف بلنسية ، فخجل المنازع ، ومضى إلى دار الفتى معتذرا . كتب بعض وزراء ابن عبّاد إليه يتسخّط الإخوان هذا البيت : [ الكامل ]
وإذا صفا لك من زمانك واحد * فهو المراد ، وأين ذاك الواحد !
فوقّع في الكتاب : وأين ذاك الواحد ؟ صحّف تعرف : فلمّا قرأه الوزير طار سرورا ، ومثل بالبساط فلثمه بين يديه ، وإنما صحّف ، وأين ، فجاء منه : وأنت ، فردّ عليه من كلامه أبلغ جواب . ومن ملح ابن عباد في التصحيف ، أنه خرج في جملة وزرائه الأدباء ، فاجتازوا