فتضرب خمس كفّك في ثريد * بلقم منك منكمش الذهاب
كأن دويّه في الحلق لما * يهمهم صوت رعد أو سحاب
وقال آخر : [ الطويل ]
إذا غرّد العصفور طار فؤاده * وليث حديد الناب عند الثرائد
وقال آخر : [ السريع ]
لم تر عيني آكلا مثله * يضرب باليسرى معا واليمين
تلعب بالقصعة أطرافه * لعب أخي الشّطرنج بالشّاهين
فمن مشاهير أهل الزرد هلال بن أسعر المازني ، وهو من شعراء الدّولة الأمويّة ، ذكر الأصبهانيّ أنه كان عظيم الخلق شديدا قويّا .
قال أبو عمرو بن العلاء : لم أكن أراه حيّا ، بل رأيته ميّتا ، فما رأيت على سرير أطول منه .
قال هلال : جعت مرّة ، ومعي بعير لي ، فنحرته فأكلته إلا ما جعلته منه على ظهري ، ثم أردت جماع امرأتي ، فلم أقدر ، فقالت : كيف تصل إليّ وبيننا بعير !
وحدّث شيخ من بني مازن ، قال : أتاني هلال ، فأكل جميع ما في بيتنا ، فبعثنا إلى الجيران نستقرض الخبز منهم ، فلمّا رأى اختلافنا ، قال : كأنكم أرسلتم إلى الجيران :
أعندكم سويق ؟ « 1 » فأتيته بجراب طويل فيه سويق وبرنيّة « 2 » فيها نبيذ ، فصبّ السويق كلّه ، وصب النّبيذ ، وازدرد الكل .
ومر على رجل من بني مازن بالبصرة ، ومعه زورق رطب ، قد ساقها من بستانه ، فجلس على زورق منها صغير ، مغطّى بباريّة « 3 » فقال : آكل من رطبك ؟ قال : نعم ، قال :
ما يكفيني ؟ قال : ما يكفيك ، فجلس على الزّورق يأكل التمر إلى أن اكتفى ، فسلت الباريّة فإذا الزورق مملوء نوى .
وقال صدقة بن عبد اللّه المازني : أولم عليّ أبي لما تزوّجت ، فعملنا عشر جفان ثريدا من جزور ، فكأن أول من جاءنا هلال ، فقدّمت إليه جفنة فأكلها ، ثم أخرى حتى أتى على عشر جفان ، ثم استسقى ، فأتى بقربة من نبيذ ، فوضع طرفها في شدقه ، فأفرغها في جوفه ، ثم خرج ، فاستأنفنا عمل الطعام ، ومن أعجب ما أكله مائتا رغيف بمكوك « 4 » بلح .
وكانت شبعته تكفيه لخمسة أيام . وكان لا يقاومه أحد في النجدة .
هامش
( 1 ) السويق : دقيق الحنطة .
( 2 ) البرنية : إناء من الخزف .
( 3 ) البارية : الحصير المنسوج ، جمعه بواري .
( 4 ) المكوك : مكيال يسع صاعا ونصف .