ونذكر هنا حكاية مضحكة تزيد المعادلة بيانا ، كان المعتصم يأنس بعليّ بن الجنيد الإسكاف ، وكان عجيب الصّورة والحديث ، فقال المعتصم لابن حماد : اذهب إلى ابن الجنيد ، وقل له : يتهيّأ ليزاملني ، فأتاه فقال له : تهيأ لمزاملة أمير المؤمنين ، فإنّ مزاملة الخلفاء كبيرة ، فقال : كيف أتهيّأ لها ؟ أصيب رأسا غير رأسي ! أشتري لحية غير لحيتي ! قال ابن حمّاد : شروطها الامتناع عن الحديث والمذاكرة والمنادمة ، وألّا تبصق ولا تسعل ولا تمخط ولا تتنحنح ، وأن تتقدّم في الركوب إشفاقا عليه من الميل ، وأن يتقدّمك في النزول ، فمتى لم يفعل هذا المعادل كان ومثقلة الرصاص التي تعدل بها القبّة واحدا ، فقال لابن حماد : اذهب قل له ما يزاملك إلا من أمّه زانية . فرجع إلى المعتصم وأعلمه ، فضحك وقال : عليّ به ، فلما جاء قال : يا عليّ ، أبعث إليك أن تزاملني فلا تفعل ! فقال له : إن رسولك هذا الأرعن جاءني بشروط حسّان السامي وخالويه الحاكمي ، فقال : لا تبصق ولا تعطس ، وجعل يقرقع بصاداته ، وهذا لا أقدر عليه ؛ فإن رضيت أن زاملك ، فإذا جاءني الفساء والضراط فسوت وضرطت ، وإلا فليس بيني وبينك عمل . فضحك المعتصم حتى فحص برجليه ، وقال : نعم زاملني على هذه الشروط ، فسار ساعة فلمّا توسط البرّ ، قال : يا أمير المؤمنين ، قد حضر ذلك المتسامح ، قال : ذلك إليك ، قال :
يحضر ابن حمّاد ، فحضر ، فناوله كمّه ، وقال أجد في كمّي دبيب شيء ، فانظر ما هو ، فأدخل رأسه فشمّ رائحة الكنيف ، فقال : ما أرى شيئا ، ولكني أعلم أن في جوف ثيابك كنيفا ، والضّحك قد ذهب بالمعتصم كلّ مذهب ، وابن الجنيد يفسو فساء متّصلا ، ويقول لابن حماد : قلت : لي : لا تسعل أو لا تمخط ، فخريت عليك ، ثم قال : قد نضجت القدر ، وأريد أخرى ، فأخرج المعتصم رأسه من العماريّة حين كثر عليه الضحك ، وصاح : ويلك يا غلام ، الأرض : الساعة أموت ! .
قوله : « فصمنا » ، أي قطعنا وحللنا والعرا : عيون من شريط أو غيره يشدّ بها فم الخرج أو العدل ، واحدها عروة . والرّبائث : العلق ، واحدها ربيثة ، وهو ما يثبّت الإنسان ويحبسه عن أمر يريده ، وقد ربثتك عن الأمر ربثا ، وتربّثت أنا تربّثا ، إذا تثبطت . ألغينا :
اطّرحنا . اتقاء : خوف . العابث : الذي يعبث بأموالهم من أهل الشر فيفسدها ، والعابث :
المفسد ، ويقال : عبث بفتح الباء عبثا : وبكسرها عبثا : لعب واستخف ، وعاث عيثا :
أفسد .
* * * ولمّا عكمت الرّحال ، وأزف التّرحال ، استنزلنا كلماته الرّاقية ، لنجعلها الواقية الباقية ، فقال : ليقرأ كلّ منكم أمّ القرآن ، كلّما أظلّ الملوان . ثم ليقل بلسان خاضع ، وصوت خاشع : اللّهمّ يا محيي الرّفات ، ويا دافع الآفات ، ويا واقي المخافات ، ويا كريم المكافاة ، ويا موئل العفاة ، ويا وليّ العفو والمعافاة ، صلّ
شرح مقامات الحريري — صفحة 340
مساهمون: إبراهيم شمس الدين
ص٣٤٠