تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
آوى اللّه المسيح وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين . ظلّ ظليل ، وماء سلسبيل ، ينساب انسياب الأراقم بكل سبيل ، ورياض تحيي النفوس بنسيمها العليل ، تبرز لناظريها بمجتلى صقيل ، وتناديهم : ألا هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل ، وقد سئمت أرضها كثرة المياه حتى اشتاقت إلى الظمأ ، فتكاد تناديك بها الصمّ الصّلاب :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
[ ص : 42 ] . قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر ، واكتنفتها اكتناف الأكمام للزهر ، وامتدّت بشرقيّها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكل موقع لحظته بجهاتها الأربع ، نضرته اليانعة قيد النظر ، ولقد صدق القائلون عنها : إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك منها ، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها . وقال فيها البحتري : [ البسيط ]
إذا أردت ملأت الطّرف من بلد * مستحسن ، وزمان يشبه البلدا « 1 » يمسي السحاب على أجبالها فرقا * ويصبح النّبت في صحرائها بددا فلست تبصر إلّا واكفا خضلا * أو يانعا خضرا ، أو طائرا غردا كأنّما القيظ ولّي بعد وفدته * أو الربيع دنا من بعد ما بعدا
* * * قوله : « جرد » ، أي خيل قصيرة شعر الجسد . جدة : غنى . مغبوطة : محسودة ، أراد مغبوط عليها مالكها ، فقلب . يلهيني : يدعوني إلى اللّهو . خلوّ الذّرع : فراغ البال والصدر من الهمّ ، يزدهيني : يحملني على الزّهو . حفول الضّرع : كثرة المال ، والضّرع للبقرة والشاة بمنزلة الثّدي للمرأة ، وحفوله : امتلاؤه باللبن . شقّ : مشقة . إنصاء : إهزال . والعنس : الناقة القوية . ألفيتها : وجدتها النّوى : البعد والانتقال من بلد إلى بلد ، وأراد أنه شكر سفره . ويد النّوى : النعمة التي أنعم بها عليه ، بأن أوصله إلى الغوطة . الهوى : ما تهواه النفس وتشتهيه . طفقت : أخذت . أفضّ : أكسر . ختوم : ربوط ؛ يريد أنّ شهوته التي كانت قد شدّت وربطت أخذ يكسر ختومها ويسرّحها في المآكل والمشارب واللذات . أجتني : أجمع . جناة قطوف : ما يجنى من الثمار ، وجعله للذّات اتساعا . شرع : أخذ وابتدأ . من شرعت الدّابة في الماء ، إذا دخلته لتشرب سفّر : مسافرون ، الإعراق : المشي إلى العراق ، أشفقت : خفت الإغراق : الفقر من أجل الزاد والمأكل ، وكأنه غرق في ذلك ، فهو يرجع إلى الغرق والإغراق : المبالغة في الشيء ، يقال : أغرق الرجل في القول والرمي بالقوس ، إذا بالغ فيهما . عادني : زارني . عيد : شوق ، وكلّ ما تذكرته واشتقت إليه فهو عيد ، كأنه عاد إلى قلبه بعد نسيانه ، ونقل لفظ الشاعر : [ الخفيف ]
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان البحتري ص 710 .